الرأي
السبت 5 جمادى الأولى 1440 - 12 يناير 2019
هل أنا مصاب بالإيدز؟

في قراءاتنا عن مرض فقدان المناعة المكتسبة (الإيدز) وما يشغل بال العالم نحو هذا الوباء الخطير الذي بات بفتك بأرواح كثيرة بشكل متطور ومتفاقم يزداد كلما ازدادت الأبحاث والمحاولات الجادة لاكتشاف علاج ناجع أو مصل واق منه، نجد كثيرا من النهم المعرفي للوصول إلى حقيقة الأمر وبداية الهجوم.

ولا يمنعنا من ذلك سوى ما يخلفه التبحر أو اتساع الأفق في القراءات والاطلاعات الطبية لغير المتخصصين والناس عموما من وهم طبيعي وخوف فطري من وجود مثل هذه الفيروسات في أجسادنا (لا سمح الله) ونحن لا نعلم، حيث إن الأبحاث في هذا السياق تثبت أن هناك صنفين من المرضى، الأول حامل للفيروس والثاني قد فتك الفيروس بجهازه المناعي وهو قيد انتظار انتهاء حياته بعد تقدير الله.

ورغم أن التوعية التي يتوجه لها العالم بأسره لتثقيف الإنسان بماهية الأمراض الوبائية التي تنتقل من إنسان لآخر عن طريق العدوى تفتقد لكثير من الجد والصدق والاختيار النوعي لكمية وهيئة المعلومات الواجب بذلها للإنسان العامي والمثقف سواء بسواء، إلا أن قلة المصادر التي يمكن أن نستقي منها معلومات حقيقية وصادقة والموجهة بلساننا العربي وندرة المصداقية التي يطمئن لها الباحث عن معرفة تحميه من الوقوع صيدا ثمينا للجهل وتقاعس الهيئات ومؤسسات المجتمع المدني المعنية بهذا الجانب هي السبب الرئيس وراء التوهم بالإصابة بمرض غير موجود في بدن ولا جسد الأسير لإسقاطات الخوف والحذر.

كل الأمور التي تتعلق بالتصورات والانطباعات وتفاعل الإنسان مع ما يطرأ من أخبار ويسمع من أحداث ترتبط بمضمون ما يسمعه وما ينقل إليه، فلو جاءته المعلومة ناقصة أو ضبابية أو خاطئة أو مقلوبة أو عامة لا شك أن عقله وردة فعله السلوكي سيتشكلان وفق ما رسخ في ذهنه من ذاك.

أيام حرب الخليج الأولى عام 1990 شاع أن أسلحة كيميائية وجرثومية قد تستخدم ضد المناطق المجاورة للعراق، وكنت حينها في المرحلة الجامعية، ورسخ في قلوبنا خوف شديد من تلك الأسلحة وأصبحنا لحد قريب نتحسس أنوفنا خوفا منها، ولا أنسى تلك الأكياس البلاستيكية التي أجبرنا على شرائها الوضع المشحون حينها لنغلف بها شبابيك ونوافذ منازلنا خوفا من غاز الخردل وبخار الكمون، بل إن المستشفيات تلقت حالات ممن ضاعوا ضحية الوهم لمصادفة إصابتهم بإنفلونزا أو مشاكل تنفسية.

وعندما بزغ فجر (مرض الطيور) وشاعت مشانق الإعدام القسري لكل أنواع الطيور في بلدان عربية كثيرة على غرار ما يحدث في دول آسيوية أخرى، انبرى كل من سمع مقتطفات عن هذا المرض لمراجعة تاريخ مناديله التي يتعهد بها أنفه ووجهه، وراح الكل يغلق زجاج سيارته كلما مر أمام محل أو سوق يبيع (الدجاج) الذي يفترسه العالم العربي افتراسا كل يوم.

نحن لا نلوم الإنسان في حرصه على صحته وطلبه للعافية في تعامله مع بدنه وبعده عن مسببات المرض الذي لا يتمناه أحد، لكننا نأمل أن ينظر المهتمون والمسؤولون عن رعاية الإنسان صحيا بعين العدل والمصداقية والرحمة لقلوب هؤلاء قبل أبدانهم، ويتلمسوا عقولهم قبل تخويفهم، فوجود الحقائق وإن كانت مزعجة في بداية وخزها للأذن أنجح وأفضل من غياب الحقيقة وجري الخائف خارج المضمار.

والإيدز مرض في غاية الخطورة والفتك، ولا يكفي أن يكون الحديث عنه في وسائل إعلامنا بأسلوب الوعظ والإرشاد من ممارسات غير أخلاقية ومحرمة شرعا دون أن يوضح للعين بالشرح الممكن وللأذن بالتفصيل المعقول وللعقل بالترتيب المنطقي ما هي حقيقة هذا المرض وكيفية تعامله مع جسد الإنسان وكيفية انتقاله حقيقة عن طريق العدوى، بعيدا عن الدائرة العاطفية الاجتماعية المحزنة.

لم نستفد من كل التصريحات الإعلامية والحملات التي تعتني بهذا المرض سوى نظرة اجتماعية ظالمة لمن أصيبوا بهذا المرض ـ شفاهم الله ـ وأصبحوا فوق نبذهم الصحي منبوذين أخلاقيا للتصور بأنهم مجرمو أخلاق لاقوا مصيرهم بإيدز يستحقونه، وكأن الأمراض الأخرى لا توحي بعقاب من الله غير الإيدز.

أجدني كغيري من الناس نرجو من رب العالمين ألا نصاب بهذا المرض خوفا من الموت، وخوفا من موت من نوع آخر يسبق انقطاع الروح وهو انقطاع اتصالنا بعالمنا الخارجي، إثر فضيحة أصبنا بها وهو مرض الإيدز وفق مفهوم كرسه شح المعلومات ونقصها وتشويهها لتصل إلينا معوقة ممسوخة.

albabamohamad@


أضف تعليقاً