الرأي
الخميس 27 ربيع الأول 1440 - 06 ديسمبر 2018
إدارة الجودة.. هل هي مفتاح البقاء في السوق مستقبلا؟

يعتمد البقاء في السوق على سياسات وممارسات ومخرجات المنافسة. وقد قاد التسارع الكبير في المتغيرات التي شهدتها الأسواق العالمية في العقدين المنصرمين إلى تحولات كبرى في الأسواق المحلية، مما أعاد إنتاج منظومة وفلسفة البقاء في السوق، وفرض نماذج وممارسات جديدة على صعيد إدارة الجودة الشاملة، مع إطلاق المؤسسات الكبرى محليا، والمؤسسات العالمية لأدبيات جديدة ليس فقط في ممارساتها، وإنما أيضا في تعريفها بالأدوار المجتمعية الجديدة التي باتت تحرص على الترويج لها، بهدف إنتاج نمط جديد لتعزيز هويتها المؤسسية من خلال التركيز على مفهوم الجودة، ليس فقط في طبيعة ما تقدمه للسوق من منتجات أو خدمات، وإنما باتت الجودة لديها أيضا مظهرا من مظاهر المسؤولية الاجتماعية التي تتنافس تلك الشركات الكبرى اليوم فيما بينها من أجل التأكيد على التزامها بها.

وفي نطاق أضيق، وعند الحديث عن المؤسسات المحلية المتوسطة والصغيرة، يمكن القول بأن إدارة الجودة في تلك المؤسسات قد باتت بالفعل تمثل حجر الزاوية في وضع أي تصورات مستقبلية عن مستقبل مؤسسة ما في سوق معين.

ونظرا للتطور الهائل والانفجار المعرفي غير المسبوق في التاريخ الإنساني، بات المستهلك أكثر قدرة على امتلاك تصوره ومفهومه الشخصي حول جودة المنتج أو الخدمة، وباتت الأذواق الفردية للمستهلكين كابوسا حقيقيا للمصنعين ولمقدمي الخدمات بأنواعها، ذلك أن المستهلك أصبح منفتحا على سوق عالمية وقادرا على أخذ قرار الشراء بمجرد الضغط على زر واحد في جهازه الالكتروني.

ونظرا لهذه التطورات المحلية غير المسبوقة في مسار الاستهلاك ونهاية عصر الأسواق المغلقة، أصبحت المؤسسات على اختلاف أنواعها غير قادرة على ضبط إيقاع الأسواق وما يقع فيها من تحولات متلاحقة، وأصبحت المنافسة في السوق المحلي لا تقوم فقط على جودة المنتج أو الخدمة، ولكن أيضا على قدرة المؤسسة على الترويج المبني على فهم الأذواق الفردية وليس فقط الجماعية، وعلى تعزيز قدرتها على امتلاك رؤية إنتاجية تستلهم فلسفتها من المراقبة الحثيثة للسوق وتحولاته، حيث لم يعد هناك مكان للمؤسسة المنغلقة على رؤيتها القديمة، وغير القادرة على كسر محرماتها في تقبل أفكار من شأنها أن تحطم بشكل جزئي أو كلي منظومتها في الجودة وهي المنظومة التي ربما مارستها لعقود طويلة.

واليوم لم يعد هناك مخرج للمؤسسات إلا من خلال تعزيز الجانب المعرفي للقائمين عليها، وتحقيق قدر من التخطيط الاستراتيجي القادر على دعم قدرة إدارات المؤسسة المختلفة على تطويع خططها الإنتاجية، ومساراتها التسويقية لتصبح قادرة على التناغم مع متغيرات السوق بالقدر الذي يضمن للمؤسسة أن تكون مؤهلة لتحديد فرصها في السوق بشكل علمي ومنهجي، وتحديد نقاط قوتها وضعفها، والمخاطر التي تنتظرها، وفرصها المستقبلية، وتطبيق الأدبيات الجديدة لمفهوم الجودة من خلال استكشاف ممارسات المؤسسات الناجحة، والبناء على تلك الممارسات بما يتناسب مع طبيعة السوق المحلي، مع الأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الاجتماعية والثقافية للسوق. كما أن المؤسسات المحلية ستحتاج في عملية إعادة بناء مفهوم الجودة لديها إلى إعادة تنظيم ممارساتها التسويقية وفق معايير السوق الحديث، حيث لا يمكن الفصل اليوم بين ضرورة تقديم منتجات أو خدمات ذات جودة عالية وبين الحاجة إلى خطة تسويقية وترويجية تقوم على دراسة موضوعية للسوق وللمستهلك.


أضف تعليقاً