الرأي
الخميس 29 صفر 1440 - 08 نوفمبر 2018
اسكتي يا بنت

تسأل ابنتي ككثير من الأطفال أسئلة مفرقة للجماعات ومحرجة للبالغين، وكثير منها لا توجد له إجابة، وغالبا ينتهي الأمر بجملة (اسكتي يابنت).

وأنا أعتقد أن الطفل لا يسأل عن شيء إلا وقد أصبح عقله مستعدا لتلقي الإجابة. كانت تشاهد بعض الصور القديمة لي عندما كنت في مرحلة الطفولة وتضحك وتتأمل في شكلي في الصورة ثم تعود لتنظر إلى ملامحي الآن مرة أخرى. وقالت: أبي هل هذا أنت؟ فقلت بكل ثقة: نعم هذا أنا عندما كنت في مثل سنك. ثم عادت ونظرت إلى يدي في الصورة وأعادت النظر إلى يدي الآن، وقالت لكن يدك في الصورة كانت أصغر هل هي نفس اليد؟ وكأنها تشكك في إجابتي.

قد يعتبره البعض سؤالا بريئا أو سخيفا، لكنه حرك أفكاري وأثار عواصف وضجيجا من الأفكار، وتسبب في إيقاظ سؤال قديم طالما تنكرت أمامه وهو (من أنا؟). وكنت كلما بحثت عن إجابة أصاب بالدهشة والحيرة وأعلم عظمة السر الذي نجهله عن أنفسنا.

هل أنا الجسد أم النفس أم الروح؟ أما جسدي فهو في تغير مستمر منذ اللحظات الأولى لنشأتي وسيبقى في تغير إلى اللحظات الأخيرة من حياتي. بل إنه حتى بعد مماتي سيتحلل ويواصل التغير حتى يصبح مواد أولية ينثرها الهواء، وقد ينتهي بي الأمر في خلطة اسمنتية في أحد المباني الحديثة. فجسدي الذي أشاهده اليوم ليس جسدي نفسه عندما كنت في الثانية من عمري، ويداي الآن ليستا يداي القديمتان فكل خلية أشاهدها اليوم لم تكن موجودة في الصورة بل إنها حديثة النشأة. أطرافي وأعضائي كلها تتغير وتتبدل، فالخلايا البالية تعوضها الخلايا الجديدة. إذن جسدي اليوم هو حديث عهد بالحياة.

حتى نفسي تتغير بمرور السنين فالمواقف والتجارب تشكلها وكأنني بعد كل تجربة أقوم بتشغيل كاميرا جديدة لرؤية العالم من زاوية أخرى. وكلما كثرت التجارب كثرت الكاميرات التي أشاهد بها العالم حتى أحصل على نظرة شاملة كان يفتقدها (أنا الصغير). فنظرتي اليوم وردود أفعالي تجاه بعض المواقف تختلف عن نظرتي لنفس المواقف عندما تعرضت لها في الماضي. أما مزاجي فهو الحلقة الأضعف والأسرع تقلبا والأقل ثباتا، فهو يتأثر بشدة بهرموناتي، والشخص الذي تعاملت معه بفظاظة بالأمس عاملته بلطف اليوم، وزادت حيرته وحيرتي، ترى هل أنا رهينة لهرموناتي؟

لم أجد شيئا في ذاتي ثابتا (لا الجسد ولا النفس) إلا روحي. حتى روحي لا أعلم عنها شيئا، فقد تكون هي متغيرة أيضا مثل بقية مكوناتي. كلما حاولت الإبحار بعيدا عن نفسي لأفهم من أنا وما هي علاقتي بالكون شعرت بالحيرة، حتى إذا خشيت التيه عدت، فإذا اقتربت من نفسي مرة أخرى وجدت كل الأشياء بداخلها وشعرت بالاكتفاء.

كلا يا صغيرتي، الطفل الذي في الصورة ليس أنا.

من الطفل الذي في الصورة؟

رحلتي في البحث عن ذاتي

هل (أنا) ثابت أم متغير؟

ماذا وجدت عندما عدت إلى نفسي؟

AliGhamdi2@


أضف تعليقاً