من يتذكر منا خارطة الدول العربية قبل عدة سنوات، ويقارنها بما هو موجود على وجه الواقع الحالي، سيبكي؛ بل إنه سيلطم الجبهة قبل الخد على ما يحدث للعرب.
وبصرف النظر عن كنه المتسبب الفعلي في ذلك، وهل يتمثل بالغرب القادم فوق بوارج المؤامرة، أو أن ذلك من عثرة حمار تردينا في أغلب المجالات الحياتية، وأولها الفكر المريض، القاطن في قبور العصور القديمة، والرافض بقوة أي تقدم للحاضر، والكاره بكل المعاني لأي مظهر للحب والوئام؛ إلا أن الجامعة العربية لم تعد مناسبة بشكلها القديم، ويجب أن تعيد رسم خرائطها وشعارها، وتنقسم على ذاتها لتتمكن من استيعاب من حلوا بيننا من الأعداء، وأن تقوم بشطب من لم يعودوا جزءا منا.
كانت منطقة النزاع العربية الوحيدة تكمن في فلسطين، وكانت الجهود الجماعية تبذل لإنهاء الصراع هناك واستعادة القدس، ولو أن الهمة كانت أضعف من الوصول للرمي بالبحر، والسلم أقصر من أن يرتقي لسماء التحرير؛ ولكنا كنا نشعر بحماسة، وبأننا شبه متوحدين ضد العدو الإسرائيلي، وكنا نفرح بكل حجر تقذف، وكل ريال يبذل للمساعدة.
غير أننا اليوم نحتار من كثرة خرابات لم نعد نجد لنا موضعا على تلالها.
العراق تمزق وضاع تاريخه وحاضره، وفقد المستقبل، بعد أن تعاقبت عليه الأقدام الغربية، والفارسية، والداعشية، وعانقت فيه رغبة الانقسام الكردي، والانتقام البعثي، والتشتت العشائري، والخلافات المذهبية، حتى بين أهل المذهب نفسه.
سوريا لقمة تناهشتها أنياب الوحوش الفارسية، والداعشية، والروسية، وكل من يرى له ارتباطا بالتاريخ الأموي أو السرياني أو الرومي.
الجسد اليمني أصيب بسرطان المخلوع، والذي فاق شرور جميع الأعداء، الذين مروا على حضارات اليمن تمزيقا في نسيجها، وتهجيرا لأهلها، وتفتيتا لوحدتها.
ليبيا ما زالت حرائق أمنها مشتعلة، ولا يظهر لعين الصبر أنها ستنعم بعودة للسلام، والصراع فيها مستمر بين العشائر، والنظام، والدواعش، وبين من يخشون أن يستطير شرها ليبلغ شواطئ بلدانهم.
مصر تكاد أن تفقد ما استعادته في معاهدة كامب ديفيد من عزة ومن سيناء، والإخوان والدواعش ينخرون العظم.
فلسطين أصبحت قسمين لا يتصلان، ولا يتفقان، ولا يرتجى منهما مقاومة.
السودان فقدت نصفها الغني، والنصف الثاني مريض.
تونس، والمغرب، والجزائر، وموريتانيا مناطق صراع قائم، ومنازعات تنتظر الدور.
الفارسي استطاع أن يتواجد في جميع مناطق النزاع العربي بشكل أو بآخر، والعالم الغربي يوازن ويقيس وزن مصالحه، فلا يسد فرجة يأتي منها الزيت، ولا يمانع في عبثية قد تكون خلاقة، لإبادة شعوب فقدت كل طموحاتها بالعلوم والتقدم، واستعاضت عنها بالتقوقع عند أسباب ومعطيات موقعة الجمل.
ونعود لجامعة الدول العربية، فنجد أنها الوحيدة، التي لم تتساير مع الأوضاع المستجدة بالدول العربية، فلم تنقسم هي الأخرى، إلى جامعة خليجية، وأخرى للخارجين عن السرب الخليجي، وجامعة ثالثة لمناطق سيطرة داعش، ورابعة للمناطق الفارسية، وخامسة للمناطق الكردية، وسادسة تجمع المناطق الفلسطينية الأردنية، وسابعة لما يتبقى من دول الشام، وثامنة لما يتبقى من دول المغرب ومصر والسودان.
وأن تعمل جامعة تاسعة احتياطا، يتم تفعيلها في حال جدت علينا تقسيمات جديدة، ومن يدري!.
shaher.
a@makkahnp.
com
كم جامعة عربية سنحتاج
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
