عبدالله المزهر

كل ما في الأمر أنها كانت أمًا !

سنابل موقوتة
سنابل موقوتة

الخميس - 11 أكتوبر 2018

Thu - 11 Oct 2018

قبل سنوات وقبل أن يصبح السناب ـ وأخواته ـ أحد مكونات الشاهي والقهوة، كان المرور على أم عبدالله أمرا لا معنى لزيارة كورنيش الخبر بدونه. لم يكن الشاهي الذي تعده استثنائيا يصعب الحصول على مثله، لكن أم عبدالله كانت هي الاستثنائية.

ثم مرت الأيام وامتلأت الطرقات والزوايا بدكاكين الشاهي والقهوة من كل صنف ولون، لكن محبي أم عبدالله لم يتخلوا عن عادة المرور عليها، ولم تتخل هي عن بشاشتها وسعة صدرها وكلماتها التي كانت أفضل مكونات الشاهي في تلك البسطة الصغيرة. لم تكن أم عبدالله، كانت أمًّا فقط، هذا هو الإحساس الذي تشعر به حين تمد يدها لتناولك كوب الشاهي العادي الذي لا يميزه إلا ذلك الإحساس بأن أمًّا ما هي من أعدته.

حين قررت أن تخرج لتقاوم وجع الحياة من خلال بسطتها الصغيرة لم يدر في خلدها أن جمال المكان سيصبح ناقصا وستبدو الأشياء التي حولها غريبة وكئيبة حين تستسلم ويغلبها وجع الحياة وتترك الحياة برمتها. كانت تظن أنها ستمر وستغادر دون أن يشعر بذلك أحد.

بالأمس وصلت إلى نهاية الطريق، وغادرت المكان الذي كانت هي أبرز ما فيه، لكن شيئا منها سيبقى هناك، ليس أثرا كبيرا، ولكنه أثر جميل، كآثار العاديين التي لا يشعر بها إلا محبوهم.

هي واحدة من العاديين. والعاديون هم سكان كوكب الأرض الأصليون، أولئك الذين ينتمون إلى الأشياء التي يحبونها أكثر من انتمائهم إلى الأشياء التي يستفيدون منها، ولذلك يكون رحيلهم سهلا لا يشعر به أحد، لا تفرد البرامج الحوارية ولا يكونون عناوين في الأخبار العاجلة. لا يفتقدهم إلا أحبتهم الحقيقيون، القريبون منهم بأجسادهم وأرواحهم. حتى في الحروب والكوارث وحين يكون الإعلام مضطرا للحديث عنهم فإنه يتحدث عنهم كأرقام، فالعادي واحد من المئة الذين لقوا حتفهم نتيجة الانفجار، أو من الألف الذين اختفوا بسبب الفيضان، أو من المليون الذين شردهم الاستبداد. هو مجرد رقم، وهذا أجمل ما في العاديين. لا يشغلون الأحياء من بعدهم بالصراع حول الأسماء ومعانيها ودلالاتها.

وعلى أي حال..

أحب هؤلاء الناس، وأحب حياتهم وأحلم أن أرحل مثلما يرحلون. يقول أحمد شوقي:

وكن رجلا إن أتوا بعده يقولون : مرَّ وهذا الأثرْ.

وهذا كلام جميل ومؤثر، لكني في الواقع أريد أن أكون رجلا إن أتوا بعدي لا يعلمون أني كنت هنا من الأساس، لا أريدهم أن يقولوا أي شيء.

أضف تعليقاً

Add Comment