أكتب مقالي هذا الأسبوع من فور وصولي القاهرة، متأمّلًا هذه العظيمة الباذخة التي تصر على أن تطل بقوة وعنفوان، مهما حاولت تجاعيد الأيام أن ترسم بعض ملامحها على وجهها، بتأثيرها في اقتصادها وتعليمها وجميع مؤسساتها ما عدا المؤسسة العسكرية التي ظلت متماسكة، وهو تأثير عام لا يمكن إنكاره ولا تجاهل أسبابه وتبعاته، بالنظر إلى ما مرّ به البلد من ظروف سياسية واقتصادية لا تخفى على أحد.
القاهرة أو قاهرة المعز لها من اسمها نصيب، ولاسمها حظ وافر من الدلالات الرمزية والتاريخية؛ فهي شامخة شموخ التاريخ والحضارة، وهي الرمز الذي يُشعر كل إنسان مسلم وعربي بالأمان والطمأنينة والقوة، وهي مصدر من أهم مصادر المعرفة والحركة العلمية والثقافية والتنوير في المشرق العربي، وفضلها لا يمكن إنكاره، وهو فضل وجميل ينبغي ألا يُنسى، وينبغي ألا تكون المرحلة التي مرت وتمر بها مصر سببًا في ذلك.
الشارع المصري يطمح إلى تحقيق العديد من الإصلاحات في السياسة والاقتصاد، ويبدو أن الأمن عاد بشكل تدريجي، وأصبح حاله جيّدًا مقارنة بفترات سابقة، والناس أصبحت تمارس أعمالها وحياتها بشكل طبيعي، وهم يثمنون دور الأمن، ويستشعرون قيمته، واستقرار البلد من عدد من المشكلات التي عصفت به خلال الفترة الماضية، وهي مشكلات متعددة كالاعتصامات والمطالبات الفئوية والإضراب عن العمل، وهي مشكلات ألقت بظلالها على الوضع السياسي في البلد، وعطلت مصالح الناس، وكادت تجعل الاقتصاد وجزءا من مؤسسات الدولة في حالة شلل تام، وهذه الحالة للأسف هي كانت بداية الفوضى في عدد من البلدان العربية، وإذا ما ألقت الفوضى بظلالها على أي بلد من البلدان فإن إعادة الاستقرار مسألة صعبة للغاية.
صحيحٌ أننا نطمح إلى أن تكون حال مصر أفضل وأحسن وأجمل، لكننا حينما نوجّه النظر إلى بعض البلدان العربية كسوريا مثلًا نرضى من الغنيمة بالإياب ونسعد بمجرد عودة الأمن والاستقرار إلى هذا البلد، وسلامته من توغل التنظيمات الإرهابية فيه بشكل واضح كتنظيم داعش، وهذا لا يمنعنا ويمنع أبناء هذا البلد الكبير اسما ومعنى أن نطمح إلى أن تصبح مصر دولة قوية ومتطورة وتستعيد ريادتها العلمية والثقافية.
الشعب المصري بجميع مكوناته بحاجة إلى ردم الهوة التي تبدو واسعة جدًّا بين أطيافه بل على مستوى الأسرة الواحدة، وأن ينبذ كل مفاهيم التخوين والإقصاء وأسباب الانقسام، والسلطة يجب أن تبادر إلى تقديم إصلاحات سياسية واقتصادية عاجلة وواضحة المعالم، وأن تبدأ في علاج عدد من المشكلات التي يعانيها الشعب.
كلنا بحاجة ماسة إلى أن تستعيد مصر عافيتها، وتسترد قوتها، وأن ينعم هذا البلد بما يستحقه أبناؤه من أمن وحياة كريمة، وأن تعود مصر لاعبا أساسيا مهما في ميادين السياسة والاقتصاد والريادة.
مصر.. التي يريدها الجميع
مفلح زابن القحطاني2 دقائق للقراءة

حجم الخط
