قال حكيم: «إذا رأيته شارد الذهن، شاحب اللون يحكُّ أنفه كثيرا، ويتحسس شوق دقنه، يميل إلى الوحدة بشدة، يأكل أنامله قلقا، ويجلس على ورك واحدة، منتفخ الجيوب، يلبس طرفا قصيرا من شماغه ويرخي الآخر، ولون طاقيته وأطراف سرواله الطويل يميلان إلى اللون البني، فاعلم ـ يا رعاك الله ـ أنك تشاهد سعوديا ارتكب حماقة تحقيق حلمه، فشرع يبني (بيت العمر)!!»لأنني مرر ت بالتجربة المريرة، وما أزال أعاني تبعاتها الهائلة عند كل راتب شهري، فإني أشعر عميقا بمعاناة المواطن السعودي في الحالتين، سواء كانت حالة الإيجار وغثاثة ملاك العقارات وعدم اكتراثهم بالمستأجرين، أو حالة التعمير التي تهدم الصحة، وتورث الرجل خبالا، حتى لو تباهى بمسكنه بعد إنجازه زورا، ففي أعماقه يشعر بمرارة لا يطيقها إلا سكان هذه الأرض المغلوبين على حلاوتهم.
حينما يفشل وزير بعد وزير في إدارة ملف الإسكان «الكارثة» فماذا يملك المواطن غير مرارة التهكم والسخرية، فترتفع كميات «الكوميديا السوداء» لتغرق فيها ذواتنا المحطمة، فنسبة 5% من المواطنين يتحكمون في سعادة شعب كامل، بأطماعهم وجشعهم وبعدهم عن الوطنية الحقة، فجل تجار العقار من المتنفذين ماديا وإداريا، لا يرون في المواطن المسحوق إلا ما يراه العالم المتقدم في دول العالم الثالث، حين يصنع المتحضرون الخطة تلو الخطة لإبقائهم مستهلكين لمنتجاتهم الصناعية والغذائية والفكرية؛ لتدوم رفاهية الأثرياء، فليس الوطن في أعين كثير من أولئك سوى خزنة يجب أن يأخذ منها بيديه وأسنانه.
مُنح من مُنح واستولى على الأرض من استولى في غفلة من الرقيب، وعلى هذا الرقيب (الدولة) في انتباهته الآن أن يعيد الأمور إلى نصابها، لكن ممثلي هذا الرقيب يتلفتون يمنة ويسرة أمام العقبة الكأداء، ملاك الأراضي المتنفذين جدا، وكم أخشى أن يكون وزير الإسكان الأخير يقصد فعلا إلقاء اللوم على المواطن، على عكس رأى المهندس الوطني «د.
عمر المشعبي» أمين الطائف السابق، في تبريره لبيان الوزير، وفي لومه لراكبي موجة السخرية من ذلك البيان، وخشيتي الحقيقية ـ بعيدا عن خطاب الوزير ـ تدور حول أن معاليه لا يستطيع رفع نظره إلى غير المواطن «الغلبان»، فهل يرى الوزير أن الجهات الثقافية أو الدينية أو التعليمية مسؤولة عن ثقافة المواطنين في تقبل المساحات الضيقة، أو الغرف المحدودة؟!، ومسؤولة أيضا عن «القناعة» بـ (بركس) أو خيمة؟!الناس اليوم لا تنتظر بيانات، ولا تنظيرات، ولا تبريرات للفشل، تنتظر أن تصلها رسالة من وزارة الإسكان، «عزيزي المواطن: نبارك حصولك على (حلم عمرك) فضلا راجع فرع الوزارة لاستلام حلمك»، فما علاقة المواطن بالثقافة والفكر وفشل التخطيط الأفقي للمدن، وغفلة الدولة عن مراقبة «تجار التراب»، وإذا كان المواطن شريكا في الأمر ولا بد من زجّه في غمارِه، فأين حق المواطن في تنصيب الوزير أو وكيل الوزارة القادر على حل مشاكله، وإقالة الفاشل منهم؟! وأين حقه في إعادة كل الأراضي المنهوبة والمحتكرة، وإزالة «الشبوك»، واحتكار مواد البناء ورفع أسعارها كما حدث في أزمة «الإسمنت» وأزمة «الحديد»، وأين حقه في محاسبة التجار الفاسدين في تنفيذ المشاريع وغيرها الكثير والكثير.
اعتاد المواطن أن تضع الدولة له كل الحلول، وليس ذنب المواطن أن يرتفع منسوب الجشع في نفوس التجار وبعض المسؤولين إلى درجة قلبت كل الموازين، ولا أتفق مع صديقي الكاتب (محمد السحيمي) ـ رغم حبي لقراءة مقالته كل يوم ـ حين رأى في مقالته الأربعاء الماضي - أن المواطن هو صاحب العرض والطلب، وهو الذي خلق الأزمات، فالمواطن لا يملك سن القوانين، فهي كمسارات الطرق التي تحكم حركة الناس، وصيانتها المستمرة تغلق الثغرات والمنافذ التي ينفذ من خلالها المحتالون أو اللصوص، وهذا واجب الدولة، أما المواطن فلا يستطيع التحكم في ذلك، أو توجيهه، فقد ذكر السحيمي على سبيل المثال، أن المواطنين كانوا يماطلون في دفع قروض البنك العقاري، فمن المسؤول عن المماطلة؟!حصل التجار على كل الامتيازات والتسهيلات من الدولة، وقابل الكثيرون منهم هذا الدعم بالجحود والنكران، وصاروا حجر عثرة في طريق التنمية ورفاهية المواطنين بجشعهم، وحرصهم الشديد على بذخ الثراء من كل مشروع، ودونكم ملاك المدارس الأهلية، ومستثمري المرافق البلدية على قلة فرصهم، فما بالكم بأعلى منهم بكثير وكثير.
حقيقة الأمر فالتجار هم ملاك الأراضي على اختلاف تخصصاتهم، وكيف يترك التاجر كعكعة العقار ويكتفي بمشاريعه، بل غالبا ما تكون ملاذه لتعويض خسائره، أو مضاعفة أرباحه، وما لم تتحرك الدولة بحزم للضغط عليهم في ملف الإسكان وغيره، فلن نجد حلا، وسيظل المواطن الشماعة التي يعلق عليه الوزراء والمسؤولون فشلهم وضعف إدارتهم لملفات وزاراتهم.
ملف الإسكان.. «كحالم خط وهما في الهوا ومحا»!
أحمد الهلالي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
