في آيات كثيرة في كتاب الله جلَّ شأنه، يأتي ذكر الكثرة من الناس في سياق الذم، وإقرار سوء الاختيار والمنقلب
وفي الذهن الجمعي التقليدي تتجلى حجة العامة والدهماء من الناس في تنحية العقل والاختيار، لصالح العاطفة والاتباع، فترى أولئك يجادلون هي أوهى.
فيعمل أحادهم كما يعمل الناس، ويقارعك بمنطق (ولكن أكثر الناس، يفعلون كذا) وإذا ما أدرك طرفاً من مقدمة كتاب أياً كان مستواه وقيمته العلمية، غالبك بشعار: قاله فلان، أو سمعه من فلان. وفي هذا الوارد، رأينا أكثر من ذاع ذكره وصيته من الجماهيريين ونجوم الفضائيات والمحاضرات مدفوعة الثمن، بكثرة الأتباع والمريدين على النسق السالف، فأضحوا مصدر قوته وحجته، فكل ما يصدر عنه صواب لا يقبل المراجعة، وكل دعاواه وأطروحاته لديهم بمكان. وفي المجتمعات الأمية أو شبه الأمية تسيطر المشافهة على كل أنساق التواصل الجماهيري ويُختصر التلقي في الاستماع، ويصبح الوعظ الخطابي فارس الميدان في الاستقطاب وتشكيل الاصطفافات عبر التلقي المباشر؛ ومن ثم يتعامل الواعظ مع هكذا حالة باستثمار قدراته الخطابية، فيشيع تكرار القضايا الهامشية، وتشابه الأطروحات، وأنماط الوعظ التقليدي، الغائب عن الواقع، ولا سيما لجمع من المتلقين مهيئين ذهنياً ونفسياً لاستشراب أفكار ومواقف ذلك الواعظ. ويصبح الرهان على تحقيق معدلات أعلى بنسب الحضور، وهي ثقافة أسست لها الصحوة في سني ربيعها الآفل، فأخرجت أجيالاً على ذات النظام الفكري والذهني والنفسي، واستنبتت أجيالاً استحكم فيها يقين بثيوقراطية الواعظ، لا موضوعية الخطاب.
وغيبية المضمون لا واقعيته. وأصبح السيف المسلط على رقاب الباحثين والمجتهدين، المغالبة بالأكثرية والاحتكام للجموع. وأذكر أنه في سني غابرة من عهد الصحوة، دعا نادي المدينة المنورة لمحاضرة للمفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة، لم يتجاوز حضورها عشرين شخصاً. ودعا النادي نفسه لأمسية الشاعر الصحوة آنذاك فغصت القاعة بالحضور، وتسلق المريدون جدران النادي تطلعاً لإبداع الشاعر المشهود، ورغم كل هذه السنوات لا يزال ذلك الشاعر الجماهيري على المكانة ذاتها في وجدان محبيه.
ولكي تكتمل بنية جهل كهذه، يتنامى سلطان الواعظ؛ من فرد بقدرات متواضعة موضوعياً، وبلا سيرة علمية، وبخطاب فاتر، إلى أسطورة في الذهن الجمعي الجماهيري ووجدان الأكثرية؛ حتى وإن تدنى إلى سرقة جهود الآخرين، وحتى ولو تكشَّف مضمون خطابه وتضاءل لدرجة المألوف المتكرر، وحتى لو لم يملك من أدوات البيان والخطابة ما يرتفع بهشاشة المضمون، وحتى لو تندَّر بسقط فكر أو لسان أو خلق فاجترح مقام المقدس
وحتى لو جرَّب ظُرفه في جمع يغفر له سلفاً أية زلة، مهما بلغت تبعاتها، وحتى لو انماعت حجَّته على محك الطرح العلمي المسؤول، والمنهجية شبه الصارمة، أو الحوار العلمي والسجال الفكري الجاد. وكل مآلات (حتى)، لا يمكن أن تفتَّ في حرص أقطاب الخطاب على تسويقه، وإن بلا قناعة أو إيمان بمبدأ، أو التضحية بالخاص لصالح العام، بوصف الأخير حق في رقبة القطب للعباد/الأكثرية. فالقطب يدير لعبة ذكائه ومراوغته بتسخين وجدان الناس، وإبدال واستبدال الأوراق، وممالأة الجماهير، واللعب على نوازع دفينة في تكوينها، وكل ذلك قادر على تذويب كل براهين الواقع والعقل التي كان من الطبيعي أن تعريه. وذلك مطرح جدير بالتأمل والدرس في تكوين بنية الجهل في ذهنية الأكثرية، ومراكز القوى في العقل الجمعي. وذلك أن الغشاوة صارت أكثر سماكة وتماسكاً، ورانت على أي محاولة تروم نكش العقل، والتحلي بمصداقية ونزاهة الطروح.
ويمكن أن تصدِّر نفسها للخارج انتهازاً لما يجري في الإقليم، في سانحة تاريخية لم ولن تتكرر، عندما يعمد جمهور ذلك الإقليم لتوطئة أكناف بلادهم للواعظ الجماهيري، بما يمكِّن لهم فيه، عبر خطبة شهيرة، أضحت محط فكاهة ساخرة لنخب ذلك الإقليم، ليس في دراما مضمونها مقارنة بما تبعها من سلوك الخطيب، الذي ضحك على الذقون وغير الذقون، ولكن لأنه ومن قصر نظره، أغار على مقدمة كتاب شهير في التاريخ، فاستظهرها تلاوة مشبعة بالسجع الرخيم الوخيم، وهو نموذج من مجموع يشكل فريق الوعظ، وهو أظهرهم افتقاراً إلى منهج، وانعداماً لرؤية، وللحديث بقية.