الرأي
الخميس 2 محرم 1440 - 13 سبتمبر 2018
إلى حين

منذ أهبط آدم عليه السلام إلى الأرض تبرمج الذهن البشري على البعد الزمني، وأصبح الإنسان لا ينبض قلبه، ولا يرف جفنه، ولا يجري الدم في عروقه، ولا يسري الإحساس في أعصابه، ولا يدب على هذه الأرض، ولا يتنفس هواءها، ولا يشرب ماءها إلا بشرط «إلى حين».

والغريب أنه في النص القرآني الكريم لم تحضر «إلى حين» عندما خاطب الله آدم وزوجه في الجنة، بل أمرهما ونهاهما، أمرهما بالسكن في الجنة والأكل منها، ونهاهما عن الاقتراب من الشجرة، وهذا مشعر بأن الديمومة هي قانون الجنة.

لكن ما إن أهبطا إلى الأرض إلا وحضرت «إلى حين» وهي مخبرة بقانون الحياة على الأرض، (ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) فهناك متاع في الوجود الأرضي لكن بشرطه، وشرطه «إلى حين».

بل ربط المتاع وغائيته هذه في النص الكريم ربطا تاما، (ومتعناهم إلى حين)، (ومتاعا إلى حين)، (وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين)، (إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين)، (فآمنوا فمتعناهم إلى حين)، وهذه من الحقائق القرآنية التي لا تتبدل ولا تتغير، بل إن لها في فطرتنا مستقرا، وفي إيماننا مستودعا.

ومع ذلك فالناس تجاه هذه القضية أصناف: صنف وقف عند المتاع ونسي أنه إلى حين، فتراه لا يكاد يرى للبدايات نهاية، ولا للوجود فقدا، ولا للعطية منعا، وصنف وقف عند الغائية وتناسى المتاع، وهذا وإن كان في الناس قليل إلا أنه لا يكاد يهنأ بشيء ألبتة، وصنف ثالث وافق الخلق والأمر، فيهنأ بالمتاع ويوقن بأنه إلى حين.

هذه الحتمية الصارمة في طبيعة الوجود البشري على الأرض «إلى حين» تفرض علينا أن نقابلها بإيمان ويقين، إيمان بالغيب، ويقين بالحكمة، بل نزيد على ذلك «رضا وتسليم»، وهذا بحمد الله هو حال المؤمنين، الذين لم يخضعوا هذه المسائل للعقل إلا بمقدار ما بقي له من مساحة فيها، فالتسليم لكلام الخالق ووحيه، ولمراده وحكمته أولا، ثم عقلنة هذه المسائل بعد ذلك أمر ميسور.

يا لبؤس الإنسان حين لا يعرف المعنى الحق لقلبه طريقا، ويالشقوته حين تطغى عليه المادة، وتفتنه الزينة، وتغشى المصلحة على بصره، والنفعية الجافة على بصيرته، يالبؤسه حين يضع قوانين وجوده بنفسه أو بشر مثله، ويالشقوته حين لا يقول «الله» في كل ما وجد أو فقد من قوة أو مال أو جاه أو ولد وذرية.

يستعظم الإنسان حضارة اليوم إلا أن يقارنها بالحضارات من قبل، كيف قامت؟ وكيف بادت؟ ويندهش لمنجزات الحاضر إلا أن يقارنها بمعجزات الماضي، ويمشي في الأرض مرحا إلا أنه لن يخرق الأرض ولن يبلغ الجبال طولا، ويتطاول ويتعاظم ويتزايد وينسى أن ذلك «إلى حين».

ورغم أن الإنسان محدود، ورزقه معدود، وحيله مهدود، إلا أنه يأبى ويهوى ويطغى، وتظل هذه المتناقضة في وجودنا لا يمكن تفسيرها إلا بالغفلة التي تصيب الإنسان، فرغم سلامة سمعه إلا أن شيئا كثيرا من الحق لا يسمعه حتى لو قيل له، ورغم سلامة بصره إلا أن نجوما وعلامات لا يكاد يراها أو يهتدي بها، ورغم أن له قلبا إلا أنه لا يعقل في أحيان كثيرة.

هنيئا للمؤمنين! فإن الفقد مع الإيمان وجود، ومع الفقر غنى، ومع الضعف قوة، ومع الحزن رضا، ومع الموت حياة، يفكرون فيما بعد هذا الحين، ويمدون نظرهم للخافقين، وكل نهاية عندهم مؤذنة ببداية، وكل ألم عندهم مبشر بأمل، وكل عسر يعقبه يسر، يعيشون حياتهم بمعنى، ويسعون لغاية، ويؤمنون بالغيب، ولا يخدعهم البهرج.

جعلنا الله من المؤمنين، ورحم الله من ألهمني كتابة هذه الأسطر.

ammarikh@


أضف تعليقاً