الرأي
الخميس 2 محرم 1440 - 13 سبتمبر 2018
نحو مدينة ذكية

الأوامر الملكية الكريمة بإنشاء الهيئة العليا لتطوير مكة المكرمة والمشاعر المقدسة فرصة عظيمة لإحداث نقلة نوعية في الخدمات التي تقدمها مؤسساتنا للمواطن ولخدمة الحجاج والمعتمرين، والوصول بمدينتنا إلى مصاف المدن الذكية.

والمدينة الذكية مرحلة تصل إليها المدن بتوظيف الأجهزة الذكية وأدوات الاستشعار كالكاميرات والحساسات، وتقنية المعلومات والاتصالات لترقية أداء وكفاءة البنى التحتية والمؤسسات المعنية بتقديم الخدمات، لإثراء نمط الحياة في المدينة والوصول إلى مراتب الاستدامة في استهلاك الموارد وترشيد الطاقة.

ويأتي ذكاء المدن من تكامل مكوناتها من البنى التحتية كالطرق ووسائل المواصلات، ومعدات النظافة، وشبكات المياه والكهرباء وغيرها، ومن تبادل المعلومات، لتنظيم التفاعل بين مكونات المدينة فيما بينها، ومع المستهلك. وتأتي، كذلك، من إشراك المواطن، بخياراته، في تحمل قسط من الأعباء والمسؤولية.

ومن المفترض أن يدخل الذكاء الاصطناعي و»انترنت الأشياء» المدن الذكية من أوسع الأبواب. فالأخيرة تجمع وتزود خوارزميات الذكاء الاصطناعي الموجود في الغيمة أو «الكلاود»، بالمطلوب من البيانات، والأولى تقوم بتحليلها وصنع القرار الذي يدعم التنمية الاقتصادية ويعزز مبادئ الاستدامة وحماية البيئة. ومما يجعلها أذكى قدرتها على الاستفادة من تجاربها المتلاحقة لتطوير قدراتها على اتخاذ القرار بعيدا عن التدخل البشري. فكيف تعمل؟

لإدارة المخلفات في المدينة الذكية، يتم، مثلا، تزويد حاويات تخزين النفايات بشرائح تستشعر حالة الحاوية وتبعث برسائل فورية إلى المركز في الغيمة إذا امتلأت الحاوية، أو كانت بحاجة إلى الصيانة، أو حان موعد صيانتها الوقائية.

والمركز متصل بقواعد بيانات وخرائط مفصلة للمدينة، وبأدوات الاستشعار المثبتة على جوانب الطرق والتقاطعات المختلفة. هذه المستشعرات تزود المركز بمعلومات عن حركة السير وكثافة المركبات في الشوارع، ومن ذلك يتم تعيين أماكن الازدحام التي يجب الابتعاد عنها. ثم هناك أدوات الاستشعار المثبتة على عربات جمع النفايات، تبعث برسائل متواصلة للتعريف بمواقعها.

وفي الغيمة تعمل خوارزميات الذكاء الاصطناعي على تحليل كل هذه البيانات والبيانات المخزنة لتحديد الأقرب والأنسب من العربات أو فرق الصيانة، وتدخل التحديثات الجديدة، بصورة ديناميكية وآنية في جداول أعمالها.

بهذا يتم تفريغ الحاويات أو صيانتها فقط عند الحاجة، ولا شك، في ذلك توفير لتكاليف الرحلة إلى حاويات فارغة وليست بحاجة إلى صيانة. وإضافة إلى التوفير في المحروقات المستهلكة وأجرة العاملين، هناك حماية للبيئة الهوائية من التلوث بدخان العادم، كما أن صيانة الحاويات في وقت مبكر، لا شك، حماية لها من التلف، وحفظا للبية المحيطة من التلوث.

وفي إدارة المخلفات أيضا، يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي وأدوات الاستشعار في عمليات الفرز واسترجاع المواد الاقتصادية من مجمل النفايات. فالحساسات تتعرف على المعادن وغيرها، والحاسوب يعطي الأوامر، وينشط آليات الفرز المتخصصة لعزل المواد المختلفة. وهناك الكاميرات التي تلتقط صورا للمنتج وتقدر نسبة النقاء لاستثناء الدفعات الملوثة أو إعادتها للفرز، وتتعلم من كل تجربة إضافية.

وأتمتة منظومة المرور والمواصلات أمثلة أخرى في المدن الذكية. وأحد أساسيات المدن الذكية، توظيف خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتنظيم حركة السير وتسهيل إمكانية التنقل. فالاختناقات المرورية وازدحام الطريق يتسبب في تأخر الموظف والتاجر عن عمله، ويترتب على ذلك تدني معدل الإنتاجية، وفيه هدر للوقود وأذى للبيئة.

فالكاميرات والحساسات الموجودة على الطرق والتقاطعات في المدينة الذكية تراقب وتتحسس وجود السيارات وكثافتها وأعدادها وسرعاتها في كل اتجاه، وتتعرف على وجود سيارات الطوارئ، وتبعث بكل البيانات في تقارير آنية إلى المركز الموجود في الغيمة. وتعمل خوارزميات الذكاء الاصطناعي هناك على توجيه المركبات، المتصلة بالغيمة، إلى الشوارع الأقل ازدحاما، لتعزيز اقتصاديات الرحلة وسلامتها، والحد من استهلاك الوقود وما يتبعه من التلوث.

كما ينتج عن تحليل البيانات القادمة آنيا من الحساسات المثبتة على تقاطعات الشوارع لتقدير أنسب الأوضاع التي تعزز سلامة الحركة وتخفف من الآثار السلبية لوقوف السيارة في التقاطعات، ثم تبعث بالأوامر إلى الإشارات الضوئية للتنفيذ.

بقي أن نذكر أنه ليس كل ما في تقنيات المدينة الذكية خير. فالتوسع المتسارع المشهود والمنظور، في توظيف «انترنت الأشياء» ضمن منظومة المدن الذكية، والكم الهائل من البيانات التي تجمعها الكاميرات والحساسات الموجودة على ناصية الشارع ووصول الأجهزة الذكية إلى داخل البيت وفي مكان العمل وعلى كل أجهزتنا ابتداء من آلة إعداد القهوة وانتهاء بالهاتف الذكي والترمومتر وغيرها، والتي تجمع بياناتنا الشخصية بصورة مستمرة، لها أثمان وتتطلب تنازلات قد لا نقبل بها.


أضف تعليقاً