الرأي
الأربعاء 1 محرم 1440 - 12 سبتمبر 2018
عام الآن

لا شيء يحدث صدفة (على الأقل هذه قناعتي). كنت أحدث صديقتي عن فكرة برنامج إعلامي أرغب في العمل عليه، وأنني كتبت الفكرة بالتفصيل في مفكرة جوالي قبل عدة أشهر أو ربما عام، في واحدة من لحظات الإلهام الإلهي الذي تنزل فيه عليك الأفكار والكلمات مدرارا كأنها مطر غزير لا صنيعة لك فيه ولكنها فتوحات رب العباد. سحبت بإصبعي المفكرة إلى أول صفحة مكتوبة بتاريخ أول يوم في 2017 لأجد قائمة بتمنياتي وأهدافي لذلك العام، لأفاجأ بأنها نفس الأمنيات والنوايا التي ما زلت أكتبها للآن! استمررت في تصفح المفكرة بحثا عن بغيتي، وأنا أمر بدهشة وتفكر وتأمل بكل ملاحظاتي التي كتبتها، الإيجابية منها والسلبية، والتي تركز كثير منها (كثير جدا) على توكيدات للحصول على الثلاث الأمنيات الرئيسية، أو التشكي والبكائيات على عدم حصولي على الثلاث الأمنيات الرئيسية، وما بينهما أجندات وقوائم لمهام رحت أتأمل فيها وأتذكر كم أنجزت وكم أخفقت. لا أستطيع أن أقول إلا أنها كانت مغامرة مفاجئة، ممتعة، مثيرة والأهم توقيتها الخطير مع بداية السنة الهجرية الجديدة 1440.

هل سمعتم قبلا بمصطلح «الوعي الذاتي»؟ حسنا تصفه تاشا ايروش المختصة في علم النفس التنظيمي، في حديثها على مسرح تيدكس تحت عنوان «ارفع وعيك بذاتك من خلال إصلاح واحد بسيط» بأنه القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وأن نفهم من نحن، وكيف يرانا الآخرون، وكيف نتوافق مع العالم. وقد أثبتت الدراسات أن الأشخاص الواعين بأنفسهم هم أكثر اكتفاء، لديهم علاقات أقوى، هم أكثر إبداعا، أكثر ثقة بأنفسهم، أفضل تواصلا. كما أنهم أقل احتمالية في أن يكذبوا، أو يغشوا أو يسرقوا، كما أن أداءهم أفضل في العمل، واحتمالية ترقيتهم أعلى، كما أنهم قادة أكثر فاعلية لشركات ومؤسسات أكثر ربحية.

في هذا العالم هناك نوعان من الناس، الأول أولئك الذين يعتقدون أنهم واعون بأنفسهم، والثاني هم فعلا الواعون بأنفسهم.

وقد أثبتت الدراسات أن 95% يعتقدون أنهم على وعي بذواتهم، ولكن الرقم الحقيقي هو أنه فقط 15% من الناس لديهم وعي حقيقي بذواتهم. ولكم أن تتخيلوا أن غالبيتنا يكذب على غالبيتنا في ممارسات حياته اليومية، في تفضيلاته، ورغباته ومدى توافقه مع الحياة بصفة عامة.

بعد بحث حثيث وتصفيات عديدة استطاعت تاشا وفريقها تمييز مجموعة متنوعة ومختلفة جدا من الناس لم يتعد عددهم الـ 50، بأنهم أشخاص واعون بذواتهم. وبعد إجراء الدراسات عليهم خلصت إلى مجموعة من الصفات والمميزات التي تجمع بين هؤلاء الناس، والتي كان أهمها أنهم في حال مواجهتهم لأي تغيير، مشكلة، عائق أو أزمة فإنهم لا يسألون «لماذا حصل معي هذا أو لم يحصل معي؟» بل ينتقلون ببساطة وسهولة وسلاسة للسؤال «ماذا؟». ففليب الذي وصله تقييم سيئ جدا من مديره بخصوص أدائه لم يسأل «لماذا فعل بي مديري هذا؟»، بل سأل «ماذا يمكنني أن أعمل لأغير انطباعه السيئ عني؟». وسارة التي أصابها السرطان لم تسأل «لماذا أنا؟» بل سألت «ما الشيء المهم بالنسبة لي؟». باختصار إن هذا النوع من ردود الأفعال إن دل على شيء إنما يدل على نفس فعلا واعية بذاتها، متصالحة مع نقاط قوتها وضعفها، مطمئنة بخالقها، وبالتالي لديها سلوك إيجابي وهادئ نحو جميع حيثيات الحياة وظروفها المختلفة والمتغيرة.

مع بداية عام 1440(وهو رقم سحري يتكرر كل مئة عام) لا أملك إلا أن أشارككم انعكاساتي المتواضعة. فلقد استيقظت اليوم وقد اتضح أمامي انغراقي وتركيزي وإصراري على تمنيات لم أنلها، ونسيت كل مكتسباتي ونعمي والعطاءات الأخرى التي أغرقني الله بها. وقررت أن أتحرر، نعم أتحرر من أمنياتي وانتظاري أن تتحقق لمجرد أنني أعتقد أنها ستجعلني سعيدة. أنا سعيدة الآن، أنا راضية الآن، أنا متوائمة مع ظروفي وأقدراي الآن، أنا محظوظة بما أملك الآن. لن أعود فأحلل وأمنطق وأبحث في أسباب ما حصل لي وما لم يحصل لي بحجة العمل على تحقيقه أو تجنب حصوله، نعم سأكف عن مساءلة القدر ومعرفة الحكمة، والتي سحبتني للماضي المضمحل كثيرا وأعمتني عن نعمي وفرصي. وسأكف عن التمنيات الشديدة والتعلقات الثقيلة. نعم أنا أقبل بنفسي كما هي الآن، ولأول مرة راضية وقابلة ومتصالحة مع احتمالية عدم تحقق ما كنت أرغبه وأتمناه بشدة. نعم أنا متحررة من قصر نظري البشري، ومسلمة لحكمة الله الخفية، لأعيش أخيرا الحديث الشريف «كل أمر المؤمن خير»، وأتعظ أخيرا بأنه «من رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط». وعامكم أبيض النوايا كما الثلج، وسنتكم خضراء بهيجة كما المرج بإذن الله.

hebakadi@


أضف تعليقاً