الرأي
الأربعاء 1 محرم 1440 - 12 سبتمبر 2018
كيف نودع عاما ونستقبل عاما بكل احترام؟

ها نحن في يومنا الثالث من عامنا الجديد، ومن حكمة الله وفضله أن تتوالى الأيام والأعوام، فعام ينسلخ ليبرز لنا عاما بحلة جديدة ورونق مختلف وهوية مغايرة. ومن أعظم ما يقوم به الإنسان في هذه المراحل الانتقالية من حياته أن يبحث عن كل ميزة وإيجابية وسعادة حدثت له ويقف عندها احتراما وتقديرا، ويراجع كل عقبة أو نكسة أو سيئة في عامه السابق ويبدأ في تفنيدها وتوصيفها ومسبباتها المؤدية إلى ذلك، سواء كانت كما أسلفت خبرة محمودة أو دون ذلك من الخبرات التي لا نود أن تعود ونعيشها في عامنا الجديد، ولكنها أخذت حيزا ومكانا من مستودع عقولنا وتم تخزينها في ملف الذكريات الذي نستدعيه وقت الحاجة لنستفيد نحن ونفيد غيرنا.

ومن منظور علم النفس المعرفي Cognitive Psychology فإن هنالك عمليات معرفية تحدث في نطاق عقلنا البشري مثل «الإدراك والانتباه والتحليل والتخزين والتذكر وتكوين المفاهيم والتصورات والتخيلات واللغات»، وتعمل عملية الاسترجاع كآخر عملية ومحطة لاستدعاء الماضي البعيد أو ما يعرف بـ «الذاكرة البعيدة» أو الماضي القريب «الذاكرة القريبة»، فهذه العمليات تحدث وتتراكم في مخزن عميق يحمل مئات الملايين من الخلايا التي تحافظ على هويتنا البشرية ليكرمنا البديع المصور ويميزنا بالعقل وكيفية استخدامه وإعماله وعدم تعطيله.

ومن وجهة نظري السلوكية والمعرفية أرى أن «المعرفة» تتمحور وتتشكل لدى الإنسان من خلال معيارين رئيسين، الأول «خبرات الماضي» على نوعيها النظري والتطبيقي، والتي تم تخزينها في الزمن الماضي كالقراءات المختلفة سواء المنهجية في المدارس والجامعات أو الحرة لمختلف الألوان والثقافات، والمعيار الثاني «تصرفات المستقبل» وهي السلوكيات المراد اتباعها في الوقت الحالي والمستقبلي، وتكون نتيجة للتعلم من المعرفة السابقة التي تم ترميزها وتشفيرها، أي إن العقل البشري سجلها على أن يستفيد منها كحالة سابقة في الماضي ويتصرف بها لحالة مماثلة في الحاضر.

والمهتمون بعلم النفس المعرفي ركزوا على ذلك ودرسوه من خلال التصرف الإدراكي والسلوكي للفرد وما هي الآليات التي يستخدمها حال التعرض للمواقف الحياتية وكيفية معالجتها وحلها، وكان العالم الألماني ويليام فونت عام 1979 أول المهتمين بعلم نفس المعرفة والتجريب وصاحب نظرية «الاستبطان» كمنهج لطرح المعرفة وداخل المحتوى العقلي، وأسس مبدأ «مراقبة الذات»، بحيث يسرد الشخص ما يتأمله في داخله من عمليات معرفية عقلية سالفة الذكر، ويربطها بالواقع الحالي ليتوصل إلى نتيجة لحل مشكلة حدثت له وكيف سيتعامل معها، ولاقت النظرية رواجا منقطع النظير، وتطور هذا المفهوم بدراسات مركزة حول هذه العمليات إلى أن تم اختراع الروبوت «الإنسان الآلي» المحاكي للعقل البشري في تصرفاته واستدعائه لما تم تخزينه له في ذاكرته الحاسوبية.

ومن خلال الاستعراض السابق وما أود التوصل إليه وربط ذلك بما مضى من عام وما هو قادم في عامنا الجديد هو كيفية تعزيز سلوكياتنا في احترام الزمن وما سببه لنا من أحداث تم خزنها معرفيا واستدعاء كل ما هو إيجابي أو غير ذلك من ذاكرتنا سواء البعيدة أو القريبة، وتوظيفه لخدمة حياتنا المقبلة، فالاستبشار عبادة وما يحمله المستقبل لنا خير، واعتقادنا بما هو قادم وما سيأتي أجمل،فاحترامنا للعام الفائت والعام الجديد يتم باستراتيجيات عدة أطبقها في حياتي الخاصة، وأرغب من باب زكاة العلم أن يستفيد منها غيري:

• احترم العام الذي مضى من حياتك بكل ما فيه من مواقف غير مستحبة ولا تحاول ذمه أبدا أو التقليل من شأنه.

• استخدم أسلوب «العزل المعرفي» لعامك المنصرم، وذلك بالتفريق بين الخبرات الجميل منها والقبيح.

• إذا راودتك أفكار سلبية عن مواقف سلبية لأشخاص سلبيين، استخدم «سلة المهملات المعرفية» وحاول أن تتناساها وأجبر تفكيرك على نسيانها حتى تتمكن من تمزيقها ورميها.

• عزز فكرة إيجاد «سلة الهدايا المعرفية» في عقلك ومخيلتك، وكافئ نفسك على كل فكرة جميلة يتم استحضارها وحاول أن تتبناها في عامك الجديد.

• أنشئ محطات إيجابية وارسمها بخارطة ذهنية معرفية في عقلك واعكسها على ورقة بحيث يصبح لديك 12 هدفا بأقصى تقدير، وأربعة أهداف كأدنى تقدير وحاول جاهدا إنجازها.

• عزز القيمة من خلال استراتيجية «أخطائي نبراسي» اكتب أخطاءك وإخفاقاتك ليس بغرض اجترارها، ولكن ليتسنى لك الاستفادة منها وقياس الأثر الإيجابي بتغييرها.

• انتقد نفسك البشرية من غير جلد وعاتبها بدون قسوة واستشرف الأمل القريب.

• اعمل لنفسك استراتيجية «غربال العلاقات» وانظر أولا للصحبة بعين الوعي وابدأ بغربلتهم سيعلو على السطح بلا شك من هم جيدون فالصاحب ساحب.

• احجز في ذاكرتك دائما مكان «الأولويات المعرفية» الوالدين والإخوة والأخوات وحياتي الزوجية والأبناء ولا تتنازل عنهم بتقادم الأعوام أو استقبالها.

• اختم عامك بالدعاء واستقبله بالدعاء وانتظر الخير.

استراتيجيات قد يستحسنها الكثير والمهم أن نعمل بها لنحترم أعوامنا، فالماضي لن يعود بزمنه، ولكن نستدعيه بذكرياته ليعيننا بخبراته. وكل الأعوام وأنتم بخير.

Yos123Omar@


أضف تعليقاً