لم نسمع عن معاناة قطاع من قطاعات الثقافة من شح موارده واضطراره إلى التقشف مثلما سمعنا عن جمعية الثقافة والفنون
وهو تقشف اضطرت معه الجمعية مؤخراً إلى تقتير المصاريف بقطع نصف المكافآت لجميع المتعاونين من كتاب ومسرحيين وفنانين، وإيقاف معظم مشاريعها الثقافية خلال هذا العام
وحين يقول رئيس الجمعية سلطان البازعي: «المخصص المالي للأفرع كافة (16 فرعاً) لا يغطي مصاريف التشغيل والصيانة والإيجارات إضافة إلى رواتب العاملين» وحين نعلم أن الفروع جميعاً لا تملك المباني المهيأة لأنشطتها، فلا بد أن نشعر بالإشفاق على الجمعية، وأن يستولي علينا ما يشبه اليأس من الإدراك الواعي لمهمة الجمعية ودورها وللقيمة الإيجابية للمناشط والوظائف التي اختصت بها
وقد يضاعف من هذا الشعور اختلاف الأندية الأدبية التي تتشارك مع الجمعية في المهمة الثقافية، وفي الانتماء إلى وزارة الثقافة والإعلام؛ فعلى الرغم من أن المقارنة بالمصاريف على النشاط الرياضي مجحفة بمناشط الثقافة، فإن الأندية الأدبية -ضمن دائرة الثقافة- أحسن حالاً من فروع الجمعية
إعلان الجمعية للتقشف في ميزانيتها وترشيد مصروفاتها، يثير سؤالاً عن توقيت هذا الحدث الذي يأتي في غضون عام تدلل فيه ميزانية الدولة على وفرة في مواردها وسخاء في مصروفاتها على القطاعات المختلفة، فهي أكبر ميزانية في تاريخ المملكة؟! ويثير سؤالاً عن موقع الجمعية ضمن أجهزة الثقافة وقطاعاتها: لماذا كان هذا الشح في الإنفاق خاصاً بالإنفاق على الجمعية من بين إدارات الثقافة وقطاعاتها؟ وبالتبعية فإن الأسئلة لا بد أن تطاول طبيعة الثقافة التي تخدمها الجمعية وتنشغل بها: هل هي ثقافة أقل قيمة وأهمية من الثقافة التي تخدمها –مثلاً- إدارة الأندية الأدبية أو إدارة المكتبات أو الآثار؟ ثم ما الذي أدى إلى الفصل بين الأندية الأدبية وجمعية الثقافة؟ وما مبرر سلخ الأدب من الصفة الفنية والثقافية التي تميز الجمعية؟! والتفسير التلقائي لقلة الإنفاق على الثقافة سيذهب حتماً إلى القول بضآلة الاهتمام الرسمي بالثقافة على وجه الإجمال، وبما هو منها –على وجه الخصوص- في صلب اهتمام الجمعية وهو المسرح والموسيقى والفولكلور والتشكيل والتصوير..الخ.
فكأن الثقافة مناشط غير جدية وليست ضرورية، وكأن ما اختصت الأندية الأدبية به منها وهو الأدب الذي اختصرته -غالباً- في الشعر الفصيح والسرد والدراسات المتعلقة بهما، أكثر حظاً وأعلى مرتبة مما اختصت به الجمعية
وإذا كانت ضآلة الاهتمام بالثقافة إجمالاً مقارنة بغيرها من المناشط جزءاً من موروثات التخلف لدينا التي تجمعنا مع المجتمعات النامية في الاختلاف عن الدول المتحضرة، فإننا ما زلنا نتأثر في رؤيتنا للفنون التي اختصت بها الجمعية برؤية متشددة من بين رؤى فقهية معتدلة وذات وعي أرحب تجاه المناشط الفنية
فإذا كان هناك مشروعية لهذه الفنون في الوعي الثقافي والحضاري الذي نريد أن نحياه وأن نطل به على العالم، فإنه ينبغي تحرير المسألة رسمياً، بدعم الجمعيات مادياً وحماية مناشطها
إن التقتير على جمعية الفنون ينطوي على مفارقة من زاوية اللحظة التي نعيشها، فهي لحظة لا تعاني فيها الدولة –والحمد لله- من عجز مالي، وهي لحظة تقود فيها المملكة عالمياً الدعوة إلى الحوار والاعتدال بعد أن تكشفت مساوئ التشدد الديني والتعصب الطائفي ومآلاتهما التي لم تسلم المملكة من شرها، وتكشفت أهمية الحوار والتواصل والتأكيد على المعاني الإنسانية التي تنقذ البشر من الصراعات التي لا تبقي ولا تذر
وليس كالفنون تأكيداً على المعنى الإنساني وجسراً للمؤالفة مع العالم، وكبحاً للتشدد، وتحرير الانفعالات وإثراءها والارتفاع على الواقع! لذلك فلا بد أن المسؤولين عن الثقافة لم يستطيعوا أن يوصلوا أهميتها وحاجتها إلى الإنفاق إلى صانع القرار، وهي مسؤوليتهم أمامه