عبدالله السلمان _ الأحساء

أكد أستاذ السيميائيات في جامعة محمد الخامس بالعاصمة المغربية الرباط الدكتور سعيد بنكراد أن علم السيميائيات من حيث الاسم والمفاهيم المستحدثة وافدة من الغرب حقا، فنحن نستعين بالمنجز الغربي ونحتفي بما راكم باحثوه في هذا المجال، ولكنها من حيث الروح التحليلية ليست غريبة عن التراث العربي الإسلامي، فهي كذلك من حيث التعريفات التي منحت للغة، وهي كذلك من حيث تعريف العلامة ذاتها الدليل عندهم، ومن حيث المفاهيم التي نحتوها من أجل وصف اللغة وحياتها وتطورها ومختلف السجلات داخلها.

العرب كانوا سباقين

وقال لـ»مكة»: يشهد التاريخ أن العرب كانوا سباقين إلى صناعة المعاجم، بل إن جزءا كبيرا من المفاهيم التي استحدثها السيميائيون المعاصرون كانت متداولة عند النحاة واللغويين والأصوليين المسلمين «الدال والمدلول والدليل والدلالة والمعنى والسياق، وسلسلة أخرى من المفاهيم»، بل ذهبوا إلى حد النظر إلى الاعتباطية باعتبارها أساسا لوجود اللغة وتنوع الألسنة، هذه الاعتباطية التي اعتبرها سويسير اكتشافا من اكتشافاته.

إنتاج المعنى

وتنبهوا إلى تعدد الدلالات وتنوعها وحددوا سبل إنتاج المعنى ودور السياقات والمقامات في ذلك مثل عبارة النص ودلالة النص واقتضاء النص وإشارته، ولم يكن الفقهاء في واقع الأمر يبحثون عن قاعدة للفعل فقط، بل كانوا يسعون إلى الإمساك بالتعدد داخل الإنسان، ومع ذلك، فإن ما يؤسف له حقا هو أن الكثيرين تعاملوا مع السيميائيات باعتبارها مجرد نظرية خاصة بتحليل النصوص، إنها كذلك في بعض من جوانبها، أو هي كذلك من حيث قدرتها على استنطاق النصوص والذهاب بها إلى أعمق الذاكرات وأكثرها غموضا، ولكنها تظل أكثر وأوسع مدى من ذلك، إنها في جوهرها تصور خاص بالمعنى أو تساؤل عن سيرورة انبثاقه من تجربة خارجية، إنها كوة نطل من خلالها على الرمزي في حياة الناس، ونافذة من خلالها نستعيد زمنية ولت، ولم يبق منها سوى أشكال رمزية ستظل صامتة دون تخليصها من المعرفة المزيفة، أي الغطاء المشخص للإمساك بالمفهومي فيها.

السيميائية تناهض التشدد

وأكد الدكتور سعيد أننا بحاجة إلى السيميائيات لمناهضة التشدد والتعصب، ولكي نرى العالم عبر كل واجهاته، دون أن يمنعنا ذلك من الانحياز إلى هذه الواجهة أو تلك، لأنها نمط في العيش والحياة، فحيث يرى الناس الأشياء والوقائع يتأمل السيميائي العلامات الدالة عليها، إنها تمنح الرائي فرصة رؤية الأشياء كما تتسلل إلى الرموز، لا كما تبدو في ظاهرها إن الطبيعة جميلة في الفن، أما في ذاتها فهي واجهة صامتة، وقد كان كاندينسكي يقول إن الفن يغطي على جوانب النقص في الطبيعة، والسيميائيات تؤكد أن الرمزي في الوجود كان دائما أقوى من الحضور الحرفي للأشياء في الذاكرة.

وأشار إلى أن السيميائيات في العالم الغربي ارتبطت برائدين كبيرين هما فردناند دو سوسير وشارل سندرس بورس، الأول أوروبي سويسيري، أما الثاني فكان أمريكيا، ولم يكن الأول معنيا سوى بما يمكن أن تقوله اللغة، فهي البداية والنهاية في الوجود، وهي شرط التأنسن، وهي سبيلنا إلى التعرف على الأشياء والتمييز بينها، أما الثاني فقد انطلق من التجربة الإنسانية بكل لغاتها، فلا شيء في الوجود يمكن أن يوجد في الذهن خارج غطائه الرمزي، فما نتداوله، باللفظ والبصر، هو في الأصل سلسلة من الرموز لا يمكن أن يقول عنها الحس أي شيء عدا كونها ممرا نحو حقيقة تبنى في المجرد المفهومي، لا في الإحالة المادية.