القيصر الجديد: صعود وحكم فلاديمير بوتين
الكاتب: ستيفن لي مايرز
الناشر: سايمون اند تشوستر، 2015


اقتحم متظاهرون المقر الرئيسي لمبنى استخبارات أمن الدولة في درسدن الألمانية، في الأيام الأخيرة لوجود ما كان يسمى ألمانيا الشرقية، وبعد أن انتهوا من تخريب ونهب المكاتب التي كانت مصدرا من مصادر الإرهاب، وجهوا غضبهم إلى مقر الاستخبارات السوفيتية (K. G. B.) في نفس الشارع.

حينها كان فلاديمير بوتين ضابط الاستخبارات، وعندما رأى الجموع تقترب من المبنى، اتصل بالقيادة العسكرية السوفيتية المحلية وطلب إرسال تعزيزات إلى المبنى لحمايته من المتظاهرين. لكن القيادة العليا لم توافق على طلبه، وكان الرد الذي تلقاه يتلخص في أن «موسكو صامتة» حيال ما يجري.
صُدم بوتين بالرد، لأن الاتحاد السوفيتي وصل إلى حالة من الضعف لدرجة أنه لم يعد يستطيع أن يدافع حتى عن الوثائق الحساسة داخل المبنى، وقرر أن يتولى الأمر بنفسه وبطريقته. فخرج مرتديا زيه العسكري، ولكن بدون سلاح أو أوامر أو تعزيزات، إلى البوابة الخارجية للمبنى حيث كانت الجماهير محتشدة.
ونفذ خدعة بالغة الجرأة، وبكل رباطة جأش وبصوت هادئ لا يعبر عن أي إحساس على الإطلاق، قال بألمانية فصيحة «هذا المبنى محمي بشكل تام، جنودي لديهم أسلحتهم، وقد أعطيتهم الأوامر: إذا دخل أي شخص هذا المجمَّع، فإن عليهم أن يطلقوا النار»، قال ذلك، ثم أدار ظهره ببرود وعاد داخلا إلى المبنى، وفجأة، تفرقت الحشود وذهب كل في سبيله.


صورته الشعبية

يحب بوتين رواية هذه الحادثة، فهي توفر معلومات هامة للذين يحاولون دراسة شخصيته وفهم أسراره منذ 15 سنة، تلك الحادثة تشبه إلى حد كبير ما يحدث الآن - حيث تدعم موسكو تمردا كبيرا في شرق أوكرانيا وتتدخل بشكل مباشر في الحرب الأهلية السورية.
وبنفس أهمية ما حدث في عام 2000 عندما وصل بوتين إلى السلطة لأول مرة وقرر شن حرب في الشيشان، وهنا تتكون لدينا رؤية حول الطريقة التي يحب بوتين أن يرى بها نفسه:

  • رجل واحد يمثل دولة.
  • يمثل الاستقرار والنظام.
  • يقف ضد الفوضى التي تعم الشارع.
  • لا يزال يؤمن بالسلطة الفريدة للدولة ويجسِّد سيادتها وتفوقها للدفاع عن مصالحها.
  • يجسِّد الهدوء والسلطة المطلقة ويقاوم المشاعر المتصاعدة للشعب الفوضوي الغاضب.
  • يفهم أن مظاهر القوة والعناد يمكن أن تكون بنفس فعالية الاستخدام الحقيقي للقوة.

تساؤلات

ماذا يريد بوتين؟ هل هو يحاول استعادة الإمبراطورية السوفيتية السابقة؟ هل يتعلق الأمر بالنفط وتوسيع موقع روسيا كقوة بترولية عالمية؟ ربما يكون الفساد والمحسوبية من أهدافه النهائية.
وربما هو لم يتوقف يوما عن التصرف كضابط في الاستخبارات السوفيتية في خشيته من وجود عملاء أجانب حوله، وفي حذره الذي ورثه عن الحرب الباردة حول قوة أمريكا، هل يعاني من جنون العظمة؟

القائد الأخير

هناك جانب من الحقيقة في كل نقطة من النقاط المذكورة، لكن ما يوضحه الكاتب ستيفن لي مايرز في كتابه الجديد «القيصر الجديد» هو أن بوتين يشعر ببساطة أنه القائد الأخير الذي لا يزال واقفا ليفصل بين النظام والفوضى.
بدلا من تقديم نظرية موحدة حول بوتين، يقدم مايرز صورة لرجل يتأرجح بين الأزمة والأزمة وفي ذهنه هدف واحد: إظهار القوة.
تبدو تلك أقرب صورة له ونحن نقترب منه أكثر من خلال هذا الكتاب.

ممثل النظام

يرى بوتين أن الأعداء يحاولون القضاء على النظام الذي استعاده في روسيا، وإعادة البلد إلى حالة الفوضى، وذلك من خلال دعم الانفصاليين الشيشان وتحريض السياسيين الأوكرانيين المعجبين بالاتحاد الأوروبي والغرب بشكل عام.
وعندما واجه بوتين أول حركة احتجاج حقيقية في روسيا قبيل الانتخابات الرئاسية 2012، اعتبر أن دعوات التغيير تمثل غزوا أجنبيا من نوع آخر، واستطاع أن يقمع تلك الاحتجاجات من خلال الاستعمال المشترك لوسائل الإعلام وشرطة مكافحة الشغب والنظام القضائي الفاسد في البلد.
بالنسبة إليه، هو يمثل النظام وكل من يعارضونه يمثلون الفوضى، وفي رأي مايرز «هناك ترافق مظلم في ذهنه بين الطموحات من أجل الديمقراطية وصعود الراديكالية، بين الانتخابات والفوضى التي ستنتج حتما عن ذلك».

مرجع الكتاب

يعد الكتاب عملا صحفيا يستثمر ملاحظات وأعمالا سابقة، لمايرز المتخصص في تغطية أخبار روسيا لصحيفة نيويورك تايمز في فترات متقطعة منذ 2002، وقام بتغطية عدة تقلبات خلال فترة حكم بوتين، مما يجعل الكتاب سيرة ذاتية متعمقة ومطلعة وفيها الكثير من المعلومات، ولكنها تفتقر إلى توضيح وجهة نظر الشارع الروسي وإلى رأي الروس بالقيصر الجديد بدون مثل هذه النظرة، من الصعب فهم كيف تحول بوتين من شخص عادي يفتقر إلى الكاريزما، بحسب ما يصوره مايرز نفسه، إلى صرح حي محبوب من غالبية الشعب الروسي.


«ستيفن مايرز، صحفي أمريكي بارز يعمل في نيويورك تايمز منذ حوالي 22 سنة، قضى خمس سنوات منها في روسيا خلال الفترة التي عزَّز فيها فلاديمير بوتين حكمه. وقضى سنتين رئيسا لمكتب الصحيفة في بغداد لتغطية تداعيات الحرب الأمريكية على العراق، وهو حاليا يغطي أخبار وزارة الخارجية الأمريكية بواشنطن».