يمر كثير من الأنظمة المصدرة أو المزمع إصدارها عبر بوابة مجلس الشورى، كمجلس استشاري للحكومة يؤخذ رأيه في جدوى هذه الأنظمة بعد إعدادها من قبل الجهات الحكومية، وفقا لنظام المجلس ترفع قرارات المجلس لرئيس مجلس الوزارء، الذي يحيلها إلى مجلس الوزراء للنظر فيها، فإذا توافقت وجهات النظر بين المجلسين صدرت بعد موافقة الملك، وإن تباينت وجهات النظر فللملك إقرار ما يراه.
كثير من الأنظمة التي مرت عبر بوابة الشورى قبل إصدارها مرت بسلام، ولم تأخذ زخما أكبر كما أخذه مشروع الرسوم على الأراضي البيضاء الواقعة داخل النطاق العمراني الذي لا يزال قيد الدراسة تحت قبة الشورى، هذا القرار الذي يتنظره الغالبية العظمى من المواطنين كملاذ آخر لتحقيق حلمهم في امتلاك بيت العمر، خضع رسميا وإعلاميا واجتماعيا لجدل وتجاذبات كبرى تغلبت فيها المصالح الفردية على المصالح العامة، فوزارة الإسكان ألمحت غير مرة أن فرض الرسوم وحده لن يحل المشكلة، ولم تعترف حتى الآن أن شح الأراضي سبب رئيس في أزمة الإسكان القائمة، دون أن تقدم أسبابا مقنعة تدعم رؤيتها فيما يتعلق بذلك، والمواطنون أقصى طموحهم أن ينتصر لهم المجلس من وزارة الإسكان، ويعيد صياغة المشروع لكي تكون هذه الرسوم فاعلة ومؤثرة في أسعار الأراضي، وبما يضمن لهم حق امتلاك السكن بأسعار معقولة.
الجميع من مواطنين بسطاء وأغنياء على حد سواء يترقبون ما يصدر من تسربيات حول هذا القرار، ليس لديهم الصبر والانتظار حتى يأخذ الصيغة النهائية، ويصدر من قبل مجلس الوزراء كحال باقي الأنظمة.
فالمواطن البسيط ينتظر ويترقب ويسأل ويتابع هل سينتصر الشورى له أم سيبقى بعيدا عن هموم المواطن البسيط؟ وهل سينجح المجلس في الاحتبارات الحقيقية له أم إنه سيبقى دون مستوى التطلعات والطموحات؟ وهل سيتبنى مجلس الشورى رؤية تراعي مصالح أكثر من 60 %من المواطنين، مقابل مصالح أقلية تبحث عن الثراء السريع من جيوب البسطاء.
والغني وتاجر العقار يسألان ليتحركا على ضوء هذه التسريبات لاتخاذ قرارات تتعلق بالاحتفاظ بأراضيهما الحالية وزيادة حصتهما من الأراضي في حال كانت التسريبات توحي بأن القرار لن يكون فاعلا وحازما، أم يسعيان للتخلص منها قبل صدور القرار في حال انتصر المجلس للمواطن البسيط، وكانت الرسوم فاعلة ومؤثرة في قيمتها، لا سيما أن دور مجلس الشورى كأي برلمان في العالم، من بين المهام الموكلة له دراسة الأنظمة واللوائح القائمة وإبداء الرأي حيال تحديثها أو تعديلها، ومناقشة وسن الأنظمة والقوانين الجديدة، فالنظام في مادته الثالثة والعشرين أعطى كل عشرة أعضاء في المجلس «حق اقتراح مشروع نظام جديد أو تعديل نظام نافذ وعرضه على رئيس المجلس، وعلى رئيس المجلس رفع الاقتراح للملك»، وكل ذلك يتطلب من المجلس الاستماع والاقتراب لنبض الشارع السعودي، والعمل على تحليل هذا النبض ودراسته، ونقله إلى الجهات المعنية بما يضمن الموازنة بين المصالح العامة والفردية.
عموما، مستوى الرضا العام من قبل الجمهور عن أداء مجلس الشورى لا يزال في أدنى مستوياته، ويرون أنه لا يزال بعيدا عن الواقع، ولديه مشكلة في ترتيب الأولويات في الدراسات التي تصل إليه، وهؤلاء المواطنون يفترضون أن يكون المجلس ممثل الشعب وصوتهم، وعليه العمل على قضايا الشارع السعودي، ومحاولة تحليلها وتشريحها وعرضها لأصحاب القرار.
على أي حال، مجلس الشورى الذي مضى على إنشائه نحو 24 عاما لا يزال يلعب دورا استشاريا وليس دورا رقابيا بالمعنى الدقيق للرقابة، كما هو الحال في مجلس العموم البريطاني وغيره من البرلمانات، ومع ذلك لم يسع المجلس إلى الاستفادة من الدعم الكبير الذي حظي به من قبل القيادة، ولم يسع إلى المطالبة بدور أكبر في الرقابة وممارسات صلاحيات أوسع، ومشروع فرض رسوم الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني، وضع الكرة في ملعبه فهل ينتصر للمواطن البسيط، ويصلح من صورته لدى المواطن البسيط، ويصبح صوته داخل النظام الرسمي، أم يستمر مجلس الشورى في الابتعاد عن الواقع.