X
محمد صنيتان النفاعي

وصفة روزيتو إيطالية لا تؤكل

الجمعة - 10 أغسطس 2018

Fri - 10 Aug 2018

«رب صدفة خير من ألف ميعاد»، هذا ما حدث لي عندما وقع تحت مسمعي تدوين صوتي (بودكاست) رائع بعنوان «استثنائيون» أنتجه القائمون على «بودكاست ساندويتش ورقي»، وكان مراجعة لكتاب بالعنوان نفسه للكاتب الأمريكي مالكوم جلادويل. هذا الكتاب تربع على رأس قائمة الكتب الأكثر مبيعا عند نشره.

لن أخوض كثيرا في محتوى الكتاب أو البودكاست، ولكن ما لفت انتباهي فيه هو ظاهرة مدينة روزيتو الأمريكية Roseto، لا أقصد هنا الأكلة الإيطالية الشهيرة. هذه المدينة قام بإنشائها المهاجرون الإيطاليون على الساحل الشرقي من أمريكا في نهاية القرن الـ 19 تيمنا بمدينتهم الإيطالية (روزيتو فالفورتوري Roseto Valfortore) الواقعة جنوب شرق إيطاليا.







وردت القصة بالتفصيل في الكتاب، ولماذا أصبح مجتمع «روزيتو» الأمريكية استثنائيا من الناحية الصحية مقارنة بالمجتمعين القريبين منها، وكانا ذوي أغلبية ألمانية وأيرلندية. هذا المجتمع الروزيتي

كان يمثل ظاهرة في علم الطب والاجتماع، حيث أثبت بالبحث والدراسات العلمية في منتصف التسعينات الميلادية أن المجتمع المترابط يشهد معدلا منخفضا من أمراض القلب. ساعد هذا الاستنتاج على إثبات أن الإجهاد يمكن أن يسهم في الإصابة بأمراض القلب وهو ما يعرف الآن طبيا «بتأثير روزيتو». ما يهمنا هنا كيف يكون الأثر كبيرا وكبيرا جدا عندما يكون هناك تجانس وترابط اجتماعي بين الأفراد؟ ماذا لو أسقطنا هذا المفهوم على المجتمعات المؤسسة وبيئة العمل؟ إذن لاستطعنا الوصول إلى نتائج قد تؤدي إلى تحسين الإنتاجية بشكل عام.

يذكر أنه أجريت دراسات كثيرة هدفها تحديد ماهية السلوكيات الضرورية لضمان نجاح المنظومة العملية وبيئة العمل على اختلاف حجمها. إحدى الدراسات حددت أهم أربعة سلوكيات من 12 سلوكا تم حصرها. هذه السلوكيات الأربعة هي: التعاون، اتخاذ القرارات، التمكين، وأخيرا التواصل. مجتمع روزيتو الذي شكل ظاهرة حتى أصبح استثنائيا كان يمارس أشياء بسيطة في حياته اليومية، البيت الروزيتي كان تسكنه ثلاثة أجيال على الأقل. الجميع كان لديه عادة الاطمئنان على الآخر والسؤال عنه، تعقد الاجتماعات الدورية لحفلات الشواء وممارسة الصلاة الجماعية، حتى التربيت على أكتاف البائعين الصغار والتحدث مع بعضهم البعض عند التقائهم في الطرقات.

ديننا الإسلامي حث وكافأ كثيرا على حسن الخلق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تبسمك في وجه أخيك لك صدقة»، وقال أيضا «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». وهناك كثير من الأحاديث عن السلوكيات الاجتماعية التي تنظم وتقوي علاقة الناس ببعضهم.

أتذكر هنا قصة حدثت لي شخصيا مع أحدهم، والذي عملت معه، فقد كان يعاتبني كثيرا لأنني كنت (وما زلت) كما يقولون بالعامية (أعطي الموظفين وجه) فقلت له هل أنت راض عن إنجازاتهم وعملهم النهائي؟ قال: نعم!

ما أجمل أن نشارك الموظف لحظات الفرح والحزن على حد سواء، والأجمل أيضا أن نقول له شكرا إن أجاد وأحسن، دون أن نقلق من تبعاتها التي نظن أنها ملزمة لنا بشيء أكبر لاحقا. هذه الكلمة قد تكون هي الحافز المهم بالنسبة له. في المقابل نجد أن أكثر الأشخاص الناجحين يتصفون بحسن الخلق، ولنا في رسولنا الكريم أفضل قدوة وفي سيرته أحسن العبر، ولا تزال قصته قبل بعثته في تحكيم وضع الحجر الأسود وقبول القبائل بحكم «الأمين» ماثلة أمامنا لما عرف عنه بينهم.

m.alnefai@gmail.com