الرأي
الأربعاء 25 ذو القعدة 1439 - 08 أغسطس 2018
المناطق الحضرية ومناطق الضواحي.. أيهما يحقق تنمية مستدامة أكثر؟

تحدثت في مقال سابق نشر بهذه الصحيفة عن دور التشريعات الحضرية في تحقيق التنمية المستدامة بمفهومها الشامل كمقدمة للدخول في تأثر تلك التشريعات في تشكيل أنماط المدينة المختلفة من حيث اختلاف الكثافة السكانية وعلاقة ذلك في تقنين الاستهلاك وزيادة كفاءة أنماط النقل العام والتقليل من التلوث والصحة العامة للفرد، وسنتحدث أيضا عن دورها في توزيع استخدام الأراضي في مقال لاحق.

يمكن تعريف المنطقة الحضرية كما عرفها الكاتب Arthur O’Sullivan في كتابه Urban Economics بأنها المنطقة ذات كثافة سكانية أعلى من 1,000 شخص لكل 1 كلم2، بينما منطقة الضواحي هي التي تقل الكثافة السكانية عن ذلك سواء كانت المنطقة منظمة أو غير منظمة، فنجد الكثافة في برشلونة مثلا نحو 26,000 نسمة لكل 1 كلم2 بحسب تقرير UN-Habitat لعام 2015، بينما تقل عن 400 شخص لكل 1 كلم2 في أتلانتا، فما الذي يجعل هذا الفارق كبيرا، وما تأثير ذلك على التنمية المستدامة؟

لا يمكن الجزم بأن كل الأسباب واضحة، ولكن المهتمين بالتخطيط الحضري سلطوا الضوء على بعضها بشكل جيد، ومنها مثلا النمط الاستهلاكي في المجتمع الذي يتأثر بشكل مباشر بحجم السيولة، ومدى سيطرة التيارات الرأسمالية على المجالس التشريعية سواء البرلمانية أو البلدية، لأنها تهتم بالدرجة الأولى بتحقيق الربح ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بتشجيع الاستهلاك الفردي العالي للموارد والمساحات في المنازل والمرافق وغيرها.

ففي أمريكا مثلا كانت صناعة السيارات في بداية القرن الـ 20 تعاني من زيادة التكلفة قبل دخول مفهوم خط الإنتاج في الصناعة، وما إن تمكن هنري فورد من تطوير خط الإنتاج حتى استطاع إنتاج سيارة صغيرة بتكلفة مقبولة فتشجعت نسبة كبيرة من سكان وسط المدن ذات الإيجارات المرتفعة لشراء سيارات والانتقال للضواحي منخفضة التكلفة، وشجعت أيضا شركات التطوير العقاري ذلك حتى تحقق أرباحا عالية من خلال بيع مزيد من الأراضي حتى يحقق المواطن الأمريكي ما عرف حينها بالحلم الأمريكي، وهو امتلاك بيت وسيع في ضاحية المدينة وسيارة فارهة. وما إن حلت الستينات حتى تشكلت مدن ذات تمدد أفقي كبير وبكثافة قليلة لكل 1 كلم2، فصار من الصعب التنقل بالوسائل التقليدية لأن المرافق والخدمات متباعدة والحاجة للسيارة صارت ضرورة وبشكل متكرر خلال اليوم ولكل فرد.

ذلك لم يحدث في المدن الأوروبية، خاصة في الدول الاسكندنافية والدنمارك وهولندا وبلجيكا وسويسرا ومدن أخرى، وإن حدث فبشكل أقل حدة لعدة أسباب، أهمها محدودية الأراضي البرية في ضواحي المدن وارتفاع سعر وقود السيارات والضرائب المرتفعة، والأهم هو أن التيارات الرأسمالية لا تتفرد بالسيطرة على البرلمانات التشريعية والمجالس البلدية، بل تتشارك مع تيارات ديموقراطية واشتراكية واجتماعية وبيئية وغيرها، والنتيجة نجد أن الكثافة السكانية في المدن الأوروبية أعلى في الغالب، مما يعني سكانا أعلى في مساحات أقل، وهذا لوحده يزيد من كفاءة عمل أنماط النقل العام ويزيد الجدوى الاقتصادية من التوسع فيها، ويقلل المسافات بين المرافق والخدمات والمناطق السكنية، فلا يضطر السكان لاستخدام السيارة بشكل متكرر كما في أمريكا، ولهذا انعكاسات إيجابية على انخفاض معدلات التلوث والصحة الفردية والتقارب الاجتماعي وقلة الحوادث وارتفاع معدلات جودة الحياة، وتقنين أفضل لاستهلاك الموارد والمساحات، مما يوفر عوامل أكثر للتنمية المتوازنة المستدامة ويجبر بلديات المدن على الاهتمام بالبنية التحتية الداعمة للمشي والدراجات واحتياجات أصحاب الهمم من ممرات وأرصفة متصلة وآمنة وتشجير مناطق خالية من السيارات.

@FouadAlAsiri


أضف تعليقاً