تعددت المسميات والهدف واحد، فإدارة الأفراد أو إدارة العاملين أو إدارة القوى العاملة أو إدارة شؤون الموظفين أو إدارة الموارد البشرية أو كما توصل إليه مؤخرا خبراء السلوك التنظيمي والاقتصاد المعرفي لمصطلح «إدارة رأس المال البشري Human Capital» مصطلحات لشيء واحد، فاختلاف المصطلحات يعد ظاهرة صحية وتحسينية لكل ما من شأنه تطوير جهة تعنى بخدمة الموظفين وشؤونهم وتلامس احتياجاتهم، فكل ما سبق يعكس النمو الحاصل في المنهجيات والأدبيات الخاصة بتطوير هذا القطاع الاستراتيجي الحساس من حيث تسخير الدراسات والنظريات والأبحاث المطروحة من مختلف المهتمين بعلم النفس الإداري والصناعي والسلوك التنظيمي، وأيضا من مختلف ممارسي العمل الإداري من الأكاديميين الذين أصبحوا مستشارين في أكبر الشركات العالمية، وجمعوا بين العلم كدراسة وأسلوب التطبيق كواقع، وسخروا جهودهم لتصبح بيئة العمل ملائمة وأكثر جذبا.

«رأس المال البشري» يطيب لي أن أطلق عليه «HC» عوضا عن الموارد البشرية «HR» لسببين:

الأول كونه القطاع الذي يلقى على عاتقه أهم مسؤولية، وهي القيام باستقطاب وتعيين وتدريب واستبقاء الموظفين والاحتفاظ بمن يملكون معرفة وكفاءة وفعالية واستعدادا لبذل المزيد، ودعم الموظفين الأقل كفاءة وقدرة على تخطي ذلك لتحقيق أعلى معدلات الأداء.

والثاني ما يعكسه مصطلح «رأس المال» من تنمية وازدهار للموظفين وإيجاد البرامج المحفزة للاستثمار في عقولهم وابتكاراتهم إذا ما تم التركيز عليهم والالتفات إليهم بعين الحرص، و»البشري» أي ما يحتاجونه دوما من الدعم والاحترام والتقدير.

وأرى أن «رأس المال البشري» أهم من رأس المال المادي ورأسمال الزبون والعميل، فالدراسات السلوكية الحديثة أكدت أن كون الشعار في المنظمات «الموظف أولا» بعكس ما كان يطلق قديما من شعار «الزبون أولا» يعد بحد ذاته قوة وتمكينا للموظف، ولأن مصطلح «الموارد» يتقلص وينضب، كذلك هم الموظفون، إذا ما أهملوا ولم يجدوا القائد والداعم الذي يساعدهم ويحقق رغباتهم، ستجدهم في تراجع تدريجي إلى أن تنخفض لديهم الروح المعنوية ويعتريهم الإحباط واللا مبالاة، وبالتالي سيتعطل الإنتاج الفكري والتوقد الإبداعي والتطوير التنظيمي.

فالأزمة الحقيقية تكمن في معيارين رئيسين، هما: سوء «الإدارة» أو ضعف «الإرادة» أو كليهما معا، ومسؤولو قطاع رأس المال البشري يعدون من الشخصيات ذات التأثير القوي والمتعدي، أي إنهم سلاح ذو حدين، إما أن يؤثروا إيجابا بنهوض القطاع وانتعاشه أو سلبا بتراجعه وإحباطه، بل وأعد دورهم مثل العمود الفقري لجميع أطراف جسم المنظمة، فإن استقام وأدى دوره على أكمل وجه نهضت المنظمة وواصلت تحديها أمام مختلف التنافسات السوقية.

وأول معيار مهم للمسؤول الناجح هو «الإدارة»، وأحب أن أعرفها بطريقتي الخاصة على أنها «الآلية المثلى والاستفادة القصوى من الخبرات الماضية، وحسن التصرف في الوضع الحالي، والاستشراف المنتظم للوضع المستقبلي، والتدخل السليم في الوقت السليم»، كذلك الأمر في إدارة رأس المال البشري من حيث رسم التكامل التنظيمي بين إدارات القطاع، وأن تؤدي كل إدارة دورها المنوط بها بجدارة واقتدار، وأن يتم التركيز على احتياجات الموظفين النفسية والمعنوية، مع البعد تماما عن سياسة الإقصاء والإدناء وعن المثل البائد «فرق تسد» بتقريب موظفين معينين واستبعاد وتجميد غيرهم، والبعد الكلي عن هوى الرأي في التخطيط والتوجيه أو التقوقع الإداري، وعدم تفعيل قنوات التواصل أو سد باب استقبال الشكاوى الصاعدة، والحذر من تكرار التلويح بالفصل أو إيقاف الترقيات أو تطبيق برامج الانكماش الوظيفي بحجة التوفير، فأزمة إدارة رأس المال البشري في المنظمات تعني اللجوء إلى الحلقة الأقوى وهي الموظفون لإضعافهم وتضييق الخناق عليهم، ومن ثم تسريحهم بغرض تقليص أعدادهم بدلا من المحافظة عليهم وغرس مبدأ الولاء والارتباط التنظيمي Employee Engagement لديهم، فالإداري الناجح من يستطيع أن يصنع قادة متميزين، لا من يصنع أشخاصا تابعين.

والمعيار الثاني الأهم هو «الإرادة» التي أعرفها بأنها «الرغبة والقابلية كمحرك نفسي، والاستعداد الجيني كأساس وراثي، والعلم والخبرة والمعرفة كعامل مكتسب»، إضافة إلى وجود الكاريزما الإدارية لدى المسؤول في اتخاذ القرارات الصائبة لإدارة أهم قطاع في المنظمات بتحقيق ميزان العدل الإداري وتشجيع رأس المال البشري، والتقرب منهم ودعمهم وتنميتهم والاستثمار فيهم والوقوف معهم وتقديم يد العون لهم، والتركيز على التدريب كأهم استراتيجية لتجديد المعرفة وتوليدها وخزنها ونقلها، وتبيان نقاط الضعف لديهم وكيفية التغلب عليها.

فتحقيق معياري «الإرادة والإدارة» مطلب رئيس ومهم في شخصية الإداري الناجح وتميزه، إضافة إلى أهمية إخضاعه لمقابلة شخصية وإجراء اختبارات سايكومترية «القياسات النفسية» للتأكد من سلامة قدراته النفسية والمعرفية قبل ترشيحه لإدارة رأس المال البشري، وقبل أن تقع الفأس في الرأس وتصبح لدينا أزمة إدارة سببها ضعف الإرادة.

Yos123Omar@