في ندوة جمعت نخبة من المثقفين والإعلاميين والكتاب والمهتمين بقضية الإسكان، تحدث وزير الإسكان عن مشكلة الإسكان التي نعاني منها، وشخَّص أسباب المشكلة، وكان من حديثه أن قال: « الإسكان ليس مشكلة موارد، وليس مشكلة أراض.
هو مشكلة فكر، إن استطعنا معالجة هذا الفكر استطعنا معالجة الإسكان بالكامل...، إذا لم نستطع معالجة هذا الفكر سندور، وندور، ولن نجد أية حلول، لا حالية، ولا مستقبلية...، قد يرى بعض الناس أن الحلول بيت، أو مسكن، أو أرض فقط، لكن ثقافة السكن أكبر من ذلك».
بهذا الكلام فتح الوزير على نفسه أبواب الجحيم؛ إذ واجه حملة نقد شعبية جارفة في تويتر، والواتساب، والسناب شات، وكل مواقع التواصل الالكترونية.
وتنوع النقد الموجه للوزير ما بين كلمات ساخرة، ورسوم كاريكاتيرية، ومشاهد تمثيلية، وقصائد، ومقالات صحفية.
وحسبك أن تعلم أن الوسم المخصص لنقد كلام الوزير في تويتر بلغ الترند العالمي، حيث بلغت التغريدات الناقدة أكثر من مئتي ألف تغريدة.
السؤال: هل أخطأ الوزير في هذا التنظير الناقد للفكر السائد في ثقافة الإسكان؟ كتب كثيرون في الدفاع عن الوزير، ورأوا أن حملة النقد الموجهة له حملة ظالمة، وأن الناقدين قوَّلوا الوزير ما لم يقل، وطالبوا بسماع كلمة الوزير كاملة، وعدم اقتطاع جزء يسير منها، فالوزير في كلمته الكاملة تحدث عن أن مشكلة الإسكان هي فكرية في المقام الأول؛ إذ إن الفكر السائد في مجتمعنا سبب رئيس في مشكلة الإسكان، ويكمن حل المشكلة في تغيير فكر المواطن الذي تنقصه ثقافة الادخار، ويتطلع إلى بيت العمر الكبير الواسع، وهو في مقتبل حياته، وكان المفترض أن يبدأ ببيت صغير، ثم حينما تكبر الأسرة، ويتمكن من الادخار، ينتقل لمسكن أكبر، فهل في هذا ما يُنْتَقدُ على الوزير؟لا شك أن هذا الكلام هو تشخيص حقيقي لجانب من جوانب المشكلة، وتغيير الثقافة أو الفكر – حسب تعبير الوزير – هو جزء من الحل لمشكلة الإسكان، لكن الخطأ الفادح الذي وقع فيه الوزير هو غفلته عن مهمة الوزير، فهو تحول إلى واعظ أو مثقف مهمته تثقيف الناس عن مشاكلهم الفكرية، وليست هذه مهمة الوزير، فالوزير منصب تنفيذي صلاحياته تكمن في تنفيذ السياسة الحكومية فيما يخص مهمة وزارته من خلال الخطط والبرامج والمشاريع التي تقرها.
والمهمة الإعلامية والتثقيفية للوزارة محصورة في هذا النطاق، وذلك بشرح خططها وبرامجها، والدفاع عنها، وتبيان طرق تنفيذها، والإجابة عما يورد عليها من إشكالات وتساؤلات.
أما التنظير والتثقيف وسبر المشاكل التي يعاني منها المجتمع - وإن كان لها علاقة في عمل الوزارة - فهذه ليست من مهام الوزارة، بل هي من مهام الوعاظ، والمثقفين، والمفكرين، والمهتمين بالشأن العام، كلٌّ حسب اهتمامه، وأحيانا تضع بعض الحكومات الشمولية وزارة خاصة بالإرشاد والتثقيف تقع على كاهلها مهمة إرشاد وتثقيف المواطن حسب توجهات ورؤى الحكومة.
فالنقد الجارف الذي واجهه وزير الإسكان هو ترجمة لاحتجاج المواطنين على تخلي الوزير عن مهمة وزارته الحقيقية، وتحوله إلى مثقف أو واعظ يذكر الناس بسوء عاداتهم وثقافتهم وفكرهم فما يخص السكن ـ خاصة أنه حصر مشكلة الإسكان بذكر الفكر، ونفي أن تكون ندرة الأراضي أو الموارد سببا من أسباب المشكلة - في الوقت الذي كان فيه المواطن منتظرا لسماع آخر ما توصلت إليه الوزارة من خطط وبرامج ومشاريع لحل مشكلة الإسكان، فصار الوزير كمثل من وجد مصابا تحت عجلات سيارة، فبدل أن يسعفه أخذ يوجه له النقد لنقص ثقافته المرورية، وأنه كان عليه أن ينظر إلى جانبي الطريق، ويتأكد من خلوه من السيارات قبل عبوره.
هذا الخلط بين مهمة الوزير ومهمة الواعظ والمثقف والمهتم بالشأن العام يقع فيه كثير من المسؤولين، ففي تعليق لوزير سابق للتجارة على شكوى الناس من ارتفاع أسعار المواد الغذائية أجاب الوزير بأن سبب ارتفاع الأسعار هو العادات الاستهلاكية للمواطنين، ووجههم لأكل المكرونة بدلا من الرز، وما كل توصيف صحيح لمشكلة ما يصلح أن يقال، فلكل مقام قول، ولكل قائل مقام.
حينما يصبح الوزير واعظا
سليمان الضحيان3 دقائق للقراءة

حجم الخط
