تحميل الفكر المشكلات التي يعانيها قطاع عريض من المجتمع السعودي، أخذ معنى ساخرا وتهكميا في الأسبوع الماضي بسبب وصف معالي وزير الإسكان في حديث له، مشكلة الحصول على سكن في المملكة بأنها مشكلة فكر.
وأنا أظن أنه لم يخطئ في هذا الوصف، ولكنه أخطأ في استخدامه بوصفه مسؤولا إداريا وتنفيذيا في الدولة عن الإسكان.
وبين صحة وصفه وخطئه بهذا الحسبان فرق.
فالمعنى الذي يمكن أن نفهمه في إلقاء الوزير تبعة مشكلة الإسكان على الفكر، هي براءة الوزارة منها، وتحميلها على المجتمع ثقافة وأفرادا.
ومن ثم تحوُّل معاليه من مسؤول إداري وتنفيذي إلى واعظ أو مصلح أو ناقد ثقافي.
وهذا هو ما فاقم الشعور بالمشكلة؛ فلم تعد هي المشكلة فحسب عند من يعانيها، بل تضاعفت معاناتها عليه بمشكلة أخرى هي التصور لها ووصفها الذي يحمِّله وحده المسؤولية.
ولا غرابة في نسبة أي مشكلة تعترض حياة الإنسان إلى الفكر، وكذلك نسبة أي حل يجده لها؛ فالفكر هو ما يصنع المشكلات أو يوهم بها، ويحلها أو يسبب تفاديها.
وهو فكر الإنسان بوصفه فردا وفكر الإنسان بوصفه مجتمعا وثقافة وتاريخا.
فلا يمكن نسبة المشكلات إلى الواقع الطبيعي والمادي منفصلا عن الإنسان الذي يتعقّله ويفكر فيه ويتعامل معه؛ ومن ثم يصبح الفكر منشأ الوعي بالواقع والاكتشاف لمشكلاته وتشخيصها، فقَبْل الفكر لا وجود للمشكلة الطبيعية والمادية مثلما لا وجود للمشكلات الاجتماعية والفكرية.
ولا يمكن - فقط - نسبة القدرة على الحل للمشكلات ومجاوزتها إلى الفكر، بل - أيضا - نسبة الخلق للمشكلات وتعقيدها.
وما دام الأمر كذلك فلا معنى لنسبة أي مشكلة تعترض حياة الإنسان إلى الفكر بالمطلق، وإنما إلى فكر محدَّد وخاص أوجد هذه المشكلة، وفاقمها مستفيدا من إيجادها، أو جاهلا بعواقبها، أو متوهما إياها بغير ما هي عليه.
وبهذا المعنى لا يمكن الفصل بين هذا الفكر وبين القوة والنفوذ الاجتماعيين؛ فمن يملك القوة والسيطرة اجتماعيا فإنه يملك الفكر ويصوغه ويوزعه في المجتمع مستخدما إياه في تعزيز نفوذه وقدرته.
فلا يسمح بفكر آخر، بل إن فكره يتغلغل بطريقة لا واعية.
وهنا تصبح سلطة الدولة ونفوذها النموذج الأبرز الذي يملك الفكر في المجتمع ويهيمن عليه بقدر قدرتها على التحكم في الأنظمة والتعليم والإعلام وسائر وسائل الإيديولوجيا في المجتمع.
لم يتوقف معالي الوزير ليتساءل عن منشأ الفكر الذي ألقى عليه بتبعة المسؤولية عن تفاقم عجز الكثير من المواطنين عن الحصول على سكن.
فمجتمعات كثيرة قريبة منا وبعيدة وجدت حلولا لمشكلة الإسكان لأنها تملك فكرا مختلفا، بل إن مجتمعنا يعاني الآن من مشكلة الحصول على مسكن ما لم يعانه في أيام فقره وبساطته.
لنقُل كما قال معاليه إن مجتمعنا لا يعرف ثقافة الادخار ولا التدرج والمرحلية؛ فلماذا عرف ملاك الأراضي وهوامير العقار أساليب الاحتكار التي رفعوا بها الأسعار؟! إن هذا ادخار وتدرج مرحلي مسيء للبسطاء من أبناء الوطن.
وإذا كنا ننتقد استهلاكية المواطن البسيط وإسرافه فعلينا أن نجرِّم من يوجِد ويحمي فكر الاحتكار المسيء إلى الوطن.
وبالقدر نفسه فإن الإدارة المسؤولة عن إيجاد حلول لأزمة الإسكان هي من صميم الفكر الذي تُلقى عليه المسؤولية: فما عيوب هذا الفكر الإداري الذي عجز عن ابتكار حلول؟!إن وصف أزمة الإسكان بأنها مشكلة فكر، وصف صحيح تماما، على أن نوسِّع دائرة الفكر المقصود لتشمل ذلك الذي سبَّب احتكار الأراضي، والعجز الإداري والتشريعي والرقابي عن معالجة المشكلة وكبح جماحها.