للمجتمعات الطبيعية قيادتان مهمتان عليهما يقوم صلاح المجتمع وسلامة أمنه ونموه، ولا يمكن أن يكون المجتمع سويا ومفلحا وناجحا إلا بوجودهما معا، وانسجامهما معا وقيام كل منهما بالوظيفة التي تناط بها دون تعارض أو اختلاف، والتعاون التام بينهما لمصلحة الناس وسعادتهم، والحرص على تماسك المجتمع ونموه واستمرار نشاطه وتماسك بنيته الاجتماعية، والحفاظ على وحدته، وبناء مؤسساته التي تعمل للصالح العام.
والرشد حلم يراود الإنسان منذ وجد على الأرض إلى أن يشاء الله، فكل يبحث عن الرشد ويطلبه من غيره ويريده في نفسه ومن مواطن الرشد أن يكون الرشد في قيادات المجتمع العليا التي تدير شؤونه وترعى مصالحه وهما قيادتان:القيادة السياسية الراشدة التي تضبط حراك المجتمع، وتستشعر مسؤولية القيادة الحكيمة العادلة الحازمة الحاسمة وتقود المجتمع إلى الرقي والتقدم، وتسهر على مصالحه وتحرص على أن تكون في خدمته، كل عضو في الحكومة الراشدة يعمل لمصلحة عليا هي مصلحة المجتمع ومصلحة الوطن في الداخل وفي الخارج، وتوجيه مسيرته وضبط حراكه والبعد به عن المجازفات والمراهنات غير محمودة العواقب، وتبعده عن مصادر الخطر، ولا تكون القيادة الراشدة إلا حين تحقق العدل لكل فئات المجتمع وطبقاته وأفراده، وتحقق الرخاء الاقتصادي للمواطنين، وتستثمر كل قدراتها لسعادة مواطنيها، وأهم من كل ذلك أن يكون أعضاء هذه الحكومة من أهل القدرة والخبرة والتجربة والكفاءة والعلم بخفي الأمر وظاهره، تلك أهم شروط الحكومة العادلة التي تفلح في عملها ويفلح مجتمعها بقيادتها، تأمن غوائل الأحداث وتحسن تجنبها، وقد سعدت مجتمعات كثيرة في الحاضر وفي الماضي بقيادات راشدة رفعت من شأنها، وأيقظت روح العمل في شعبها فأفلحت وأفلح شعبها.
أما القيادة الاجتماعية الرائدة فقد كانت هي الظهر القوي للحكومة الراشدة، والسند الذي تعتمد عليه والرديف الحاضر عند الحاجة إليه في السياسة العامة التي تتفق القيادتان عليها وينسجم العمل بينهما على هدى النفع العام، وقد أدركت المجتمعات منذ القدم أهمية وجود هذه القيادة الاجتماعية، فاختارت من أفرادها من تتوفر فيه صفات المبادرة وقدرات القائد ورضيت بها والتفت حولها وكانت تقوم بعمل الدولة عند غيابها أو ضعفها، وتقوم بمساعدة الدولة في حال قوتها.
وقد عرفت المجتمعات أهمية بروز قيادات المجتمع غير الرسمية، لأنها تأتي من نسيج المجتمع ومن خياراته الحرة ورضاه بها، فيسمع لها وينقاد لأمرها.
وقد أبدعت المجتمعات الحديثة في صناعة قياداتها الاجتماعية وأحسنت في اختيارها، وكانت مؤسسات المجتمع المدني هي المختبر الذي يبرز تلك القيادات الاجتماعية وحلقة الوصل القوية بين الحكومة والشعب.
ولا يفقد المجتمع إحدى القيادتين أو تهمش إحداهما عمل الأخرى إلا أصاب مسيرته نقص بمقدار الضرر الذي تحدثه إحدى القيادتين بعمل الأخرى.
في الدول الديمقراطية كانت مؤسسات المجتمع المدني تضبط حراكه وتوجهه إلى مصالحه العامة وتبعد عنه الفوضى والتناحر القاتل الذي يبدد جهود المصلحين فيه وتحافظ على توازنه، فلا تسمح بأن تزيد الأخطاء ولا يتكرر الاختلاف إلا على مصلحة المجتمع واحترام خياراته.
أما في العالم الآخر الذي لا يوجد فيه أحزاب سياسية ولا منظمات للمجتمع المدني فإن البديل هو القيادات التقليدية للمجتمع التي يلتف حولها وتحافظ على قيمه وأعرافه وتقاليد حياته، فلا يشعر بالفراغ ويجد مرتكزا يعتمد عليه عند الحاجة إليه.
ومجتمعنا مجتمع مثالي في قناعاته ورضاه بما حصل عليه، ولكنه يحتاج لقيادات اجتماعية فاعلة تكون عونا للحكومة الراشدة ويدا تساعدها عند الحاجة إليها، ومثل هذه القيادة تضع التوازن الصحيح في مسيرة المجتمع وتقوم بمسؤولياتها نحو مجتمعها ونحو الدولة.