يبدو أن أحدهم في هذه اللحظة يفكر بي بشكل أو بآخر.. ليس هذا خيالًا أستدنيه لأغادر منطقة السأم.. ولا فراغًا تملؤه الرغبة بأن أفعل أي شيء، أستشعر معه أن حواسي «شغّالة»..وأن نبضي ينتظم، مثلما تتكتك ساعة الحائط في حرم الصمت.. لا يطغى على صوتها راديو ولا تلفزيون، ولا طرقات على الباب في وقت من الليل لا يصلح للزيارة!
قالت والخوف بعينيها: «اليوم ضحكنا كتير.. اللهم اجعله خير..أنا قلبي مقبوض».. وسكتت!
إحساسي بالآخر يتكثّف.. يأتيني من الطرف الآخر من الحي.. أو المدينة.. أو النصف الآخر من الكرة الأرضية.. يبدد ـ أو يجسِّد ـ تلك المخاوف، التي تُملي عليّ ما أقوله أو أفعله أو حتى أفكّر به!
أضحِّككْ؟!
ها أنت - في لحظة الجوع - مغمض العينين، مطبق الشفتين، ترى وتشم وتستطعم، صينية المكرونة بالباشامل التي تحبّها، أو شريحة كبيرة من سمك الناجل المشوي مغطاة بصوصك المفضل، محاطة بالكافيار وشرائح الليمون، في أفخم الفنادق الآسيوية المطلة على مروج تمد أقدامها إلى البحر.. أو لعلك تفضل -في هذه اللحظات التاريخية من الجوع في الغربة- طبقًا من الكبسة بلحم الضأن (والفقع) الحائلي أو القصيمي.. وإن كنت ينبعاويًا أو جداويًا ها أنت تستمتع «بغدوة» من الحوت الناشف مع (المعدوس)، مطبوخًا بماء المطر تحت سماء من الغيم السُكّريْ في «بابور» أو «سمبوك» أو «قطيرة» حتى لو كنت في ما وراء أعالي البحار!
نشم بلا أُنوف.. ونرى بلا عيون.. ونستطعم بلا ألسنة وشفاه..
كيف تسافر الأفكار بلا واسطة ولا مواصلات؟
إن كانت في الهواء فكيف لا يعصف بها ويبعثرها؟
كيف تصل فقط إلى من يهمه الأمر وحده ولا تلتقطها آذان ولا عيون؟

