تنعكس الحياة في قرية النحات قرقين كول الاستوائية على أعماله، فنجد مجسما خشبيا لامرأة تحمل دلوا منحوتا بمهارة قد لا تتوفر لأولئك الذين درسوا في كليات الفنون.
ويعد كول «41 عاما» واحدا من عشرات النحاتين المنتشرين على الشاطئ الشرقي من النيل الأبيض في الخرطوم، ويتباهون بتطويع الخشب، رغم أن أيا منهم لم يدرس في كلية الفنون العريقة، والتي تفصلها أمتار فقط عن موقع عملهم.
وفي مساحة لا تتجاوز ألف متر مربع، خصصتها السلطات مؤخرا، لهؤلاء النحاتين، لصناعة وعرض منتجاتهم، بإمكان الزائر التعرف على وجه مشرق من الفلكلور السوداني، كما يقول أحد طلاب كلية الفنون عثمان خالد.
والملاحظ في المنحوتات أنها تجسد نمط الحياة في القرى والغابات الاستوائية، وتضم نحت الحيوانات من فيلة، وزرافات، وأسود، وتجسيم المحاربين وأسلحتهم.
حلقة وصلوأغلب هؤلاء النحاتين ينحدرون من جنوب السودان، لكنهم آثروا البقاء في الشمال بعد انفصال البلدين عام 2011، وتعد حرفتهم كما يصفها خالد «واحدة من حلقات الوصل التي ينبغي رعايتها بين الشعبين».
ويُعزي كول اختزال عملهم في هذا النمط إلى أن «الناس دائما مفتونون بما لم يشاهدوه من قبل»، لكن الفنان التشكيلي، يوسف محمد، يشير إلى سبب آخر، وهو أن «هؤلاء النحاتين يعبرون بالأساس عن بيئتهم».
وتعتمد حرفة النحت على أخشاب «المهوقني»، و«التيك»، لكن تبقى أخشاب «الأبنوس» الأكثر استخداما، وثلاثتها تُستورد من غابات جنوب السودان، وبدرجة أقل من غابات أخرى على الحدود مع هذه الدولة الوليدة.
وتعلم كول هذه الحرفة من عمه، الذي أخذها بدوره عن والده، عندما كان عمره 20 عاما، وسيورثها إلى ابنه من بعده، ولا يرى رابطا بين إتقانها ودراستها في إحدى كليات الفنون.
وسائل للتعبيرورغم شغف هؤلاء الرجال والصبية بحرفتهم، فإن عائدها المادي ليس كبيرا، وفقا لما ذكره كول، فيما يتحسر التشكيلي يوسف محمد على وضعهم قائلا «رغم فنهم الراقي والمتقن، إلا أنهم لا يتلقون عونا حكوميا كإقامة معارض للترويج لمنتجاتهم على الأقل».
وبينما انتشرت هذه الحرفة في الخرطوم، منذ أكثر من 5 عقود، إلا أن نشأتها كما يقول محمد تعود لعصور بعيدة، في موطنها الأصلي بالغابات الاستوائية، جنوب السودان، عندما كان النحت والرسم من وسائل التعبير والتواصل بين الناس.