تحمل تجربة الروائية الأمريكية نيلا لارسن معاني إنسانية عميقة أغلبها وظف في محاربة العنصرية والعرقية والمطالبة بالمساواة، هذه التجربة دفعت الأكاديمي الروائي علي المجنوني إلى أن يترجم عملها «زنج» محاولا من خلاله نقل الصراعات الإنسانية في الحصول على حقها من العيش.
هنا وقفة مع تجربة المترجم وأبعاد فلسفة نص الرواية

1 لماذا اخترت هذه الراوية تحديدا؟

قرأت الرواية 2012م أثناء دراستي لمرحلة الماجستير فأعجبتني كثيرا.
قرأتها مع مجموعة من الروايات التي تتشارك الموضوع عينه، أعني العبور العرقي في الولايات المتحدة الأمريكية.
هالتني التجربة الإنسانية التي حملتها تلك النصوص، وهالني كيف أن العنصرية جعلت من البياض نورا يتهافت عليه الملونون تهافت الفراش على النار.
ولئن نال سود أمريكا اليوم شطرا من حقوقهم التي انتزعتها حركات الحقوق المدنية وخلافها، فإن شمس العدالة لم تشرق بعد، والأحداث التي حدثت بحق السود في العامين الأخيرين تحديدا جرس إنذار يذكّر بأن العنصرية الممنهجة تجاه الملونين أمتن مما قد يُظن.
أعود للعبور وأقول، إن كان العبور العرقي باعتباره نشاطا مراوغا لسياسات الهوية السائدة في القرنين الماضيين قد تلاشى تقريبا بفضل حركات الحقوق المدنية، إلا أن العبور بمعناه الأوسع ممارسة إنسانية بامتياز تتعدى حدود اللون.
نمارسها على نحو يومي ربما دون أن نتنبه.
كل ادعاء هو ضرب من ضروب العبور.
الهوية، أي هوية في نظري، على الرغم من كل الادعاءات التي يتشبث بها المنتمون إليها، تستتر خلف قناع رهيف.
يتوق العابر إلى ادعاء هوية أكثر حظوة من هويته «الأصلية» بنفس القدر الذي يسخر به من هوية يستطيع «ادعاءها».

2 هل تختلف ترجمة الروائي بصفتك ساردا عن ترجمة أي شخص هاو؟

أعتقد أن فعل الترجمة في حد ذاته قصة.
بمعنى أني لمّا أترجم عملا سرديا فأنا أعيش مع هذا السرد قصة أخرى تضيف مستوى جديدا إلى النص، قصة أبعد من تلك التي عشتها معه كقارئ.
والحق أن سحر السرد يكمن في هذه المستويات اللامنتهية من القصص.
نميل غالبا إلى أن ننظر إلى العمل السردي باعتباره منتجا تام الاكتمال وجاهزا للاستهلاك، بينما ذلك جائر بحق العمل، بل وبالعملية الأدبية برمّتها بما فيها الكاتب القارئ.
ترجمة رواية إضافة مستوى سردي آخر إليها، وفي هذا ما يكفي من السحر.

3 هل من مهمة المترجم صناعة نص مواز؟

الترجمة نشاط واع.
وأقصد بالوعي هنا هو صيانة مسافة معقولة بين المترجم والنص ناتجة عن التنقل ما بين نظامين لغويين متباينين، وما كل نظام إلا واجهة لمنظومة معقدة من الأفكار والقيم وخلافهما.
لا أظن أن مهمة المترجم صناعة نص مواز.
مهمة المترجم باختصار وبساطة هي أن ينقل نصا من لسان إلى آخر.
على المستوى الشخصي وأثناء الترجمة لا أفكر في شيء آخر غير أني أنقل نصا من لغة أجنبية إلى لغتي.
أقرأ النص، أسمعه في أذني وقلبي، ثم أنقله.

4 ما الأسهل ترجمة كتب نقدية وفكرية أم إبداعية؟

تختلف ترجمة الكتب الفكرية اختلافا رئيسا عن ترجمة الأدبية.
بغض النظر عن مستوى صعوبة إحداهما أو سهولتها، فإن الفرق مردود إلى طبيعة كل نص.
أظن الفرق بين الاثنين يكمن في أن مترجم النص الفكري لا بد أن يُشغِل نفسه بفهم مفردات السياق الفكري الذي يوثق النص فيه أطنابه، لأنه بذات أهمية النص.
لا بد أن يجهز نفسه بإلمام بالخطابات التي ينبثق منها النص أو يتعالق معها.
حيز التأويل في الكتاب الفكري ضيق عطفا على أهمية أن تصل الفكرة كما أراد لها مبتدعها.
أما النص الأدبي فتجربة مغايرة، لأن الفسحة التأويلية التي يكفلها النظام الجمالي للأدب عتقُ رقبة المترجم.

5 ماذا عن تجارب الترجمة بأمريكا؟

هل هناك نهضة في هذا السياق؟لا أستطيع تقييم حركة الترجمة في الولايات المتحدة الأمريكية، لكني أستطيع الجزم بأنها نشطة وأن عددا كبيرا من الأعمال المكتوبة بلغات أجنبية، خصوصا اللغات الأوروبية، يترجم سنويا إلى الإنجليزية.
مؤتمرات وجوائز ومنح وإقامات كثيرة مخصصة للترجمة والمترجم.
لكن المهم ليس الترجمة في حد ذاتها، بل في ما يُصنع بالمترجَم.
الأعمال المترجمة في أمريكا تجد طريقها سريعا إلى المكتبات العامة وإلى مناهج أقسام الآداب الأجنبية وأقسام الأدب المقارن في الجامعات.
واقع الترجمة لدينا ليس في أحسن حال، لكني أيضا سعيد بمنجَز جيلي الترجمي حتى الآن، سعيد لأن كثيرين يتفاعلون مع ما يطّلعون عليه من أدب وفكر تفاعلا خلاقا وينقلونه إلى المدونة العربية.
ممتن لهم ولما يقدمونه لي كقارئ يطلع يوميا عبر الانترنت على عدد من المواد المترجمة في شتى المعارف.
الترجمة فعلُ بقاء، وها نحن نهتمّ بأنفسنا.