بين تارة وأخرى نكاد نصدم بخبر القصاص من شخص تعدى على آخر بقتله بعمد أو بدون عمد، لذا شرع القصاص لإبراء الذمم أولا ولعدم استسهال القتل والجرأة عليه لأتفه الأسباب، وما ينطوي على ذلك من آثار، حينها يستنفر المجتمع وتتظافر الجهود لحصول العفو والصفح بإبرام اتفاقيات بين الطرفين وبمقابل دية كتعويض مالي لا تعني قيمة للدم بمقدار ما هي شيء معنوي لأهل المقتول.
ما يحزن القلب ويدميه تفشي ظاهرة المتاجرة بدماء المحكوم عليهم بالقصاص، وما نتج عنها من السلبيات وطلب يد العون والتبرعات لاستجداء الرحمة وجمع المال بصورة لا تتفق مع القيم الإسلامية التي تحض على قيم الصفح والعفو وإصلاح ذات البين، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن الدية حق شرعي لذوي المجني عليه شرعا لا يجادل فيه أحد، دون المبالغة فيها.
وفي ذات السياق تعد أمرا مرفوضا على الإطلاق لما آلت إليه بفعل المساومات والمزايدات التي يرى أحيانا أن القصاص أرحم بكثير من تلك الديات التي تقصم الظهر! يستميتون لجمع المبالغ في موت بطيء وفي سباق مع الوقت يطرقون باب هذا وذاك، مشهد مؤسف يشعرنا بالأسى ويجعل من هذه المبالغ التعجيزية ظاهرة اجتماعية وبعد أن كانت حميدة بالترابط أصبحت ذميمة.
ولا شك تسهم مجالس الصلح في المجتمعات القبلية بالإصلاح والترغيب في العفو، وعتق رقبة لا يعادله أجر، في حين أن أموال الدنيا ليست تعويضا شخصيا فحسب وإنما لاستئصال النزاع حتى لا يتحول إلى انتقام وتعصبات تتراكم جيلا بعد جيل، أرقام فلكية 30 مليون ريال وما فوقها، أمر لا يقره عقل ولا منطق، وسيلة للثراء، طلبات قهرية بحد ذاتها قاتلة وفيها انعدام الإنسانية، وتحولت لمحافظ استثمارية.
تدخل عدد من التجار والأثرياء والمقتدرين بمنح مبالغ مالية بالملايين لمن يعفو مجانا لوجه الله تعالى أمر محمود عواقبه، ولكن تطور أمر الصلح بدخول أطراف جديدة في القضايا كسماسرة ساهموا بتنامي ظاهرة المبالغة في الديات بل تجارة للرقاب، فلا تستبعدوا ظهور عصابات تتخصص بقتل الآخرين ثم تستجدي عطف الناس.
الموضوع ذو أبعاد خطيرة وبحاجة لحسم من خلال قرار سياسي ومراجعة من قبل هيئة كبار العلماء في المملكة، وبعدها يتم وضع سقف كحد أعلى للديات ويرفع للمقام السامي لإقراره، وتطبيقه على أرض الواقع.
موضوع اجتماعي يلامس ثقافتنا العربية، وضرورة تكثيف الوعي الديني أمر مطلوب، وإحياء فضيلة العفو والتذكير بشرع الله الذي جعل في القصاص حياة للناس وردعا للمسيء، يقتص منه نفسيا قبل القصاص الفعلي.
نعم النفس غالية والدم لا يهدر، ولكن يبقى العفو لوجه الله خير الحلول التي غابت عنا في عصرنا الحاضر بسبب البعد عن الإسلام وتعاليمه السمحة وتغلب العادات القبلية على تعاليم الدين، ونسأل الله العلي القدير ألا يضعنا بموقف مثل هذه المواقف نحن ومن يعز علينا، وأن يديم علينا نعمة الأمن والأمان.
هل أصبحت الدية تجارة وتعجيزا
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
