يترجل من سيارته الفارهة ذات اللون الذي اختلف شباب الحي كثيرا حوله، فلم يكن من الألوان التي اعتادوا رؤيتها.
وقبل أن ينفرج باب سيارته انبثقت الأرض عن مجموعة من الرجال المدججين بنظرات محايدة تماما.
أحدهم بسرعة لافتة فتح الباب ووقف بالزاوية الضيقة مما جعل رؤية الضيف تكاد تكون مستحيلة، آخر بنظارة قاتمة أخفت ثلاثة أرباع وجهه كان منشغلا بشيء لم يعرف كنهه، لكن حدس الجميع يقول إنه يلبس (مشلحه) الفاخر.
ذاب الرجل وسط المجموعة التي أحاطت به وأصبحت تسير كتلة واحدة لتدلف إلى باب المبنى الذي أصبح أنيقا كما لم يكن من قبل.
فتح باب جانبي كان مخصصا لدخول سيارات الخدمة ودعي الجميع للدخول، لم تكن دعوة صريحة، مجرد فتح الباب وتنحي (السكيورتي) يعنيان السماح لهؤلاء المتجمهرين أن ينقادوا لنهم فضولهم.
رائحة العود المختلطة ببقايا رطوبة كانت جاثمة إلى قبل دقائق أعطت شعورا عميقا، لا أحد يعرف شعورا بماذا، لكن الهدوء الذي لف المكان كان يؤكد مسألة العمق هذه!الجميع بحالة صمت وكأن على رؤوسهم الطير (يا لها من من جملة تقليدية غارقة في الجدة الآن!).
حسحسة صدرت من جهة المنصة جعلت الجميع ينتظر المفاجأة.
فعلا..دخول مجموعة من الباب الخلفي (الذي أصبح رسميا الآن)، المجموعة تزيد قليلا عن نصف الجمهور أو أكثر دقة (الحضور)، تقدم أحد أفراد المجموعة ليعلن عن بدء محاضرة بعنوان (عناصر أو مراحل عملية الاتصال الاجتماعي)..لا أحد يتذكر الاسم جيدا، لكن الشخص الذي قدم قبل بدء المحاضر نبه – بصيغة أقرب للزجر – بمنع المداخلات أو الأسئلة للضيف المحاضر.
بعد ذلك بدأ المحاضر بكلمات آلية مفرداتها ترتع في حمى الشكر والعرفان رغم أن نبرة الكلام وجمود الملامح أشعرا الجميع بأنهم أمام مذيع نشرة أخبار جاد أكثر مما ينبغي.
الحضور بحالة انشداه تام، يأتي الصوت مشوشا رغم جودة أجهزة المكبرات، يأتي الصوت واضحا: لكي نوضح عملية الاتصال بشكل أدق فلا بد من التعريج على المراحل التي تمر بها تلك العملية والمتمثلة..يتمنى الحضور أن ينظروا لبعضهم كما يفعلون عندما يرسلون تساؤلهم بصمت كما جرت العادة، لكن شيئا ما أنساهم أن يفعلوا ذلك الآن.
تنبهوا لعودة الصوت الذي لم ينقطع أصلا: وجود مرسل (المرسل) هو الشخص الذي يقوم بتوجيه الرسالة وقد تكون أوامر أو تعليمات أو تقديم معلومات..، يتمنى الحضور لو تذكروا بسرعة تلك النظرة الصامتة التي يتبادلونها عندما تتملكهم الدهشات.
يعود الصوت أو يعودون له من جديد (ولادة فكرة في ذهن المرسل حول موضوع معين ينبغي أن تكون رسالة..)، يتنبه الجميع بأن الصوت لم يعد هذه المرة، المنصة خالية، وهم يحاولون أن يسألوا هذا الفراغ الذي يتكسر على الطاولة الخالية (لقد غادر منذ ربع ساعة).
في المدخل الذي ولجوا منه في البدء ها هم يغادرون بتثاقل وكأنهم ليل حزين، (السكيورتي) يسأل: ماذا وجدتم؟ لم يكن ينتظر إجابة كان فقط يتحايل على الوقت كي يخرج البقية، ومع أنه لم يكن ينتظر إجابة سمع همهمات الجميع تردد: لا شيء لا شيء!