العمال ثروة كل زمان ومكان، يعملون تحت جميع الظروف يتعبون وينتجون، نقبوا عن البترول فتدفق على أيديهم، شقوا الأنفاق وعبدوا الطرق، دخلوا المناجم فأخرجوا الذهب، يحركون الإضاءة في المدن والشوارع، وقلما سلطت عليهم الأنوار. العمال هم أهل الفضل في الاضطلاع بكل مهنة يتراجع المجتمع عنها بحجة تدني سمعتها أو صعوبة القيام بها، وهم في الأول والأخير المكّون الأهم في عمليات البناء ونقل التنمية للأجيال. من المؤسف، أمام ما تمت الإشارة إليه في المقدمة، أن الثقافة العمالية في أكثر الأقطار العربية تمر بأزمة ولا تحفز العمل المهني، وإن حدث شيء من التحسن فالصورة في أجمل أحوالها ملطخة بألوان العيب الاجتماعي وقسوة قطاع الأعمال، ولن يستقيم الحال قبل كنس النظرة الدونية العالقة في قناعات كسالى المجتمعات المبرمجين على الاتكال والاعتماد على غيرهم من ناحية والعمل على صيانة حقوق العمال وتعزيزها في بيئة الأعمال من ناحية أخرى.
وعن شؤون العمال الكرام محليا، يقول الخبر: إن مجلس الشورى تمسك في جلسته المنعقدة يوم الاثنين 3-2-2014 بموقفه المنتهي بالموافقة على «تخفيض ساعات العمل إلى 40 ساعة أسبوعيا ومنح العامل يومي إجازة أسبوعيا» وتبقى الإشارة إلى أن ما تم الإعلان عنه أتى مطابقا لما أقره المجلس سابقا في جلسة الاثنين 16 ديسمبر لعام 2013. إلا أن إخضاع القضية للتصويت مرة ثانية جاء في أعقاب طلب مقدم من حوالي 16 عضوا (تطرقت بعض الصحف المحلية لذكر أسماء غالبيتهم) لما لقرار تخفيض ساعات العمل من سلبيات متوقعة على الاقتصاد الوطني من وجهة نظرهم، إلى جانب ما يرونه من مخاطر محتملة جراء فراغ العمالة لمدة يومين في الأسبوع. اختلاف وجهات النظر تجاه أي قضية مطروحة للنقاش في المجلس يدور مع مشروعية إبداء الرأي وحق الاختلاف ولا غرابة في ذلك، غير أن الغريب في مسألة طلب إعادة التصويت، كما يبدو لي، هو أن مجموعة (16 شورى) استعملوا في تبرير طلب النقض نفس (الدفوعات الاقتصادية) التي تقدم بها مجلس الغرف السعودية في الشأن نفسه، وآمل ألا يكون في ذلك «اختراق» لمجلس الشورى. اللافت للنظر أن المبررات لا ترقى إلى مستوى سد المنافذ على دخول مبررات حيادية مضادة، وللدلالة على سبيل المثال، يمكن القول إن إجازة يومين في الأسبوع لحوالي 8 ملايين عامل، جلهم في المدن الرئيسية المزدحمة، أفضل من حصر تحركاتهم لقضاء احتياجاتهم الخاصة والأسرية في يوم واحد، لما يشكل ذلك من ضغط على الحركة المرورية، وزحام في المراكز التجارية والمرافق العامة وما إلى ذلك، ثم أن في الأمر ما هو أهم، حيث تكون معظم المؤسسات الخدمية الرسمية التي يحتاجون إلى مراجعتها، شأنهم شأن الغير، مغلقة على افتراض أن يوم الإجازة هو يوم الجمعة، اليوم الذي جرت العادة أن تغلق فيه أبواب المؤسسات الخدمية الرسمية وشبه الرسمية.
على أية حال، يؤخذ على نقاشات الشورى، سابقها ولاحقها، أنها حصرت مهنة «العامل» و»نظام العمل» في القطاع الخاص مع أن القطاع العام يغط بالعاملين المشمولين بنظام العمل - سعوديين وغير سعوديين - والجميع يتساوون في الواجبات والحقوق بحكم النظام ويجمعهم في عملية التعاقد وسم (الحلقة الأضعف) أينما كانوا، وقد أتى نظام العمل السعودي وهو بكامل وعيه لهذه المسألة وليس من العدل أن يَسعى أحد لتخديره.
في الختام أجدها فرصة للترافع بهذا المقال أمام المجلس الموقر عن الطبقة الكادحة مشفوعا بمطلب إنساني لا يتجاوز البحث عن لمسة وفاء يمكن تحقيقها «بتخفيض» المدة المشروط على العامل استكمالها للحصول على «التقاعد المبكر» والمحددة بـ25 سنة – العلامة الفارقة في جدول التباين في الأنظمة التقاعدية. حيث حدد نظام التقاعد المدني المدة بـ20 سنة، وحددت في نظام التقاعد العسكري بأقل.. كنت قد أشرت إلى هذا التباين في غير مكان. وهنا تجدر الإشارة إلى أن العمال هم القوى العاملة الأكثر تعرضا للمخاطر والأمراض المهنية، جلهم الأقل حظا في الأجور وهم أكثر الفئات شعورا بغياب الأمن الوظيفي، غالب مهام أعمالهم ميدانية مُجهِدة تؤدى بنظام الورديات المؤثر على صحتهم وشؤونهم الأسرية، وهم الأحق بالنصاب الأقل من سنوات الخدمة اللازم إتمامها للحصول على التقاعد المبكر.
فهل سيفعل المجلس لهم شيئا يسعدهم في مجال التقاعد المبكر؟ نتطلع إلى سرعة معالجة هذه «القضية العادلة»، كلنا أمل في مجلس الشورى الموقر، وللعمال بالغ التقدير.

[email protected]