(1) إنه لمن أقسى ما يمر به الإنسان أن يتحول إلى كائن (حتى إشعار آخر)..كائن (مؤجل) يعيش في مدن مفعمة بالناقلات والشاحنات والحفارات..إلى آخر مدى! مدن استحالت ورش عمل متنوعة دائمة.
ليتساءل كل منا متى نعيش في مدن مكتملة مستقرة ينعم فيها المرء بالسكينة والطمأنينة وأطياف أفراح غائبة؟! متى يقول أحدنا للآخر: سأستقل (المترو) في السابعة لأصلك في الساعة ذاتها (وعشر دقائق!)، بدون أن يحمل هما للتحويلات المفاجئة والاختناقات المتكررة؟ متى تنقضي لحظة القلق الإنساني الكبرى من مخافة معانقة الجدب والعطش والموت، وهو يظل في انتظار (وايت) ماء قد يجيء أو لا يجيء! متى يتمكن الإنسان (فينا) من صياغة ميزانية عيشه بلا خوف من زيادات مفاجئة وبضائع منتهية ومواد مغشوشة ومسرطنة؟ متى يجيء المرض - عندما يجيء - منفردا بلا تبعاته المهلكة من مرارة إيجاد سرير يلملم انتكاسات الجسد، ولا وجل من وصفة طبيب إلى الموت بشهادة الزمالة الطبية العليا في الغش والنصب والاحتيال! متى نشعر بأن الإنسان داخلنا يستغرق لحظات نشوته في فرح حقيقي، تتحول معه الأرجاء إلى كرنفالات من الفن والجمال والتراتيل العذبة المورقة بالحنين؟ بلا خوف من المصنفين والأوصياء والأدعياء..!
(2) متى ينقضي الكائن المؤجل داخلنا، لنسمع أحاديث تلوك المتعة وتنعش حواس الإنسان للاستغراق في حاجاته المعرفية والحضارية والجمالية المستحقة؟..متى نتحدث في مجالسنا عن كتاب..عن موقع في الفضاء شيد أمتانه على قواعد راسخة من الثقافة الحقيقية التي يعم أثرها العقول المتعطشة، وعن فيلم صادر للتو في الصالات المطمئنة؟.متى نتحدث في مجالسنا عن مشاريع إنسانية مجتمعية، لا تنتظر على الدوام مخرجات المشاريع الحكومية الكبرى؟ متى نثرثر لبعضنا بطريقة حميمية عن الخاص والخالص بعيدا عن وجلنا الهائل من الأحكام الجمعية الصارمة، وتحفظنا العجيب على قول ما يختلج حقيقة في النفوس، التي تتشابه مع كل نفوس البشر في الكون الرحيب؟
(3) ..كذلك، فمتى يختفي الإنسان المؤجل داخلنا الذي يتسع أفقه ويسمو فوق كل الاعتبارات الخاصة الفقيرة؟ سموا يبدد تلك الهويات والخصوصيات التي حبسنا أنفسنا داخلها فضاقت بنا الحياة!متى يستكمل تخلق ذلك الإنسان المؤجل، ليرتبط الحس (الفكري) لدينا بمفاهيم النظام والعدل وإخلاص العمل والنزاهة والصدق، في رؤية دينية خالصة، لا تجعل من الصلاة والصيام فقط سمتا للإنسان المتدين؟متى نرى ذلك الإنسان المؤجل داخلنا الذي قد تحرر من أوهامه وخرافاته وخصوصياته المظلة، فتوهج العقل فيه لإشعال نعمة التفكير والتدبر، وقياس الظواهر بمقاييس الموضوعية والحياد والاستجابة لشواهد العقل العلمي الكفيل بتحقيق خلافة الله على أرضه المكرمة؟
(4) متى نرى (الوزير) في بلادنا، الذي نشعر بأنه (مواطن) منبثق من (مجتمعنا)، متعايش بجد مع حاجاتنا الحقيقية وأزماتنا (الواقعية)..
لا يخرج علينا ذات زمن (باهت) ليقول مثلا: «إن مشكلة الإسكان لدينا هي مشكلة فكر بالدرجة الأولى..»!
(5) بجد..بألم..بخلاصة الحقيقة الغائبة: «متى»؟ نسعد برؤية هذه المؤجلات فوق الأرض قبل أن نعود رفاتا في تراب الأرض؟ وهل نظل كائنات مؤجلة فعلا لما لا نهاية، إلى آخر مدى؟!!

