في وقتنا المعاصر لا يكاد يخلو يوم أو بعضه دون تداول خبر لافت للانتباه، إما لما فيه من فائدة أو لما فيه من مثيرات الدهشة والغرابة ولربما الاستفزاز وما هو أكثر!على مستوى الاكتشافات الطبية تتوالى الأخبار ويجير الواقع وبكل قوة قصب السبق لصالح العالم الغربي الذي أرى أن حبه «للحياة» والعمل على تجويدها قاده للاهتمام بالعلم الذي أشغله عما يشغل غيره.
الخبر القادم من هناك أن رجلا لا يعرف نفسه في المرآة بسبب اضطراب نادر.
الحالة لم تحدث على مر التاريخ إلا مرتين بحسب الخبر والخلاصة أن الأطباء كشفوا عن وجود حالة مرضية لرجل مسن يعيش في فرنسا إثر قيام ابنته باصطحابه إلى المستشفى على خلفية تعذر معرفته نفسه في المرأة، وعلاوة على ذلك قناعته عن وجود شخص غريب في المنزل، ازدادت حدة الحالة وقد بلغ به الأمر عدم التفريق بين نفسه وغيره في المرآة، مما جعله يعتقد أن ثمة رجلا ينظر إليه في المرآة ويشبهه كثيرا في الشكل والأسلوب والخصائص وكل شيء حتى الشعر، كما أنه تحدث معه وتعجب أنه يعلم عنه كثيرا.
حدث الرجل ابنته عن تغير الأحداث وتحول الرجل الذي يراه إلى عنيف، مما زاد قناعة الابنة بضرورة أخذ والدها إلى المستشفى بدافع الخوف عليه.
في المستشفى وبعد الفحص شخص الأطباء حالة الرجل بأنها نوع نادر من الاضطرابات العصبية المولدة للوهم.
في رأي أهل الاختصاص إن الأوهام تأتي في شتى الأشكال والأحجام عبر نوبات عابرة قد تنتهي إلى أمراض عقلية مستعصية.
عموما الأوهام لا تخضع للحقائق ولا تتوافق مع المنطق لهذا تشكل حالة انفصام عن الواقع.
كم من الناس بيننا تحت سيطرة الأوهام! ثمة حضور واضح لهذه الحالة في المجتمع، وأقرب الأمثلة وليس أوحدها أن البعض يتوهم أنه صاحب الحقيقة المطلقة ومالك زمام الموقف السوي، وهناك من يعيش على أوهام موروثة تمجد كل شيء حوله هكذا يرى البعض أنفسهم في مرايا منازلهم لكنهم في قناعات العارفين والعقلاء لا يبعدون كثيرا عن الرجل الفرنسي المسن، الفرق أن هذا المسن رزق بابنة تعرف ملامح الفرق بين الحقيقة والوهم وتعرف الطريق إلى المصحة النفسية التي تعزف عنها جل الشعوب العربية بحكم ثقافة العيب، الثقافة السائدة رغم تكاثر المؤشرات المخوفة.
الدورة الزمنية الراهنة متخمة بالتصرفات المحملة في جلها بما يثير الشكوك ويصاعدها والأسباب تتنوع مما يفرض على المجتمع إن أراد الاتصال بالواقع والسيطرة على الحالات السلوكية المحتمل انقلابها إلى اضطرابات تؤثر على مجرى الحياة العامة، أقول على المجتمع وجوب معرفة الخطوط العازلة بين الحقيقة والوهم والقياس على أساسها، والأهم هو أن يعرف المرء وجهه في مرآة الحقيقة ويقدر على فحص تقاسيمه جيدا.
وبكم يتجدد اللقاء.