الحديث عن الآخر ومحاورته والرد عليه ومناقشته ليست أمورا يسيرة، لأنها تمثل وطنا بأكمله، وبكامل مكوناته الثقافية والحضارية والدينية، ولذا حين يتم التواصل مع الآخر بشكل يمثّل الجميع شكلا، مع أنه لا يمثلهم حقيقة، وتُرسم صورة سلبية عن المجتمع تكون النتيجة سلبية.
أكتب هذا حين وقعت يداي على أحد الكتب التي كان من أهم أهداف تأليفها أن تكون خطابا توضيحيّا للأمريكيين والغرب عن كثير من الملابسات والاتهامات، وحمل الكتاب الصادر الذي ينقل رؤية واعية ومتوازنة على غلافه ما يشير إلى أن من قاموا على إعداده وتوجيهه كخطاب دولي موجّه وذي غرض ثقافي هم من النخبة (العلماء والمثقفين السعوديين).
وبصفة هذا الكتاب المهم والموجّه – وسواه في هذا الباب من الكتب والخطابات التي زامنت نشره وتقديمه كثيرة – تم تقديمه وتوجيهه في ظروف مرحلية معينة، وعلى إثر أحداث أسهمت في تكوين صورة غير صحيحة عن المملكة والإسلام، جاء ليحمل خطابا واعيا وينبذ الخطابات التي تكرّس مفاهيم الافتراق والضدية، وتعمد إلى تقديم حجج البراءة من كل تهمة، وتكرّس مفاهيم المؤامرة من الآخر.
وكل هذا يمكن غض النظر عنه، لكن ما لا يمكن قبوله هو أن هذه الخطابات ترجمة حقيقية للتبرير والقفز على كل خطأ، ومحاولة لي أعناق العديد من المواقف والأحداث لتبدو للجميع وكأنها في إطارها الصحيح.
ومثل ردات الفعل هذه التي تقفز على الحقيقة، ويكون هم متعاطيها الدفاع عن الذات، وتبرئة النفس، وتحميل الآخر مسؤولية، لا تخدم الوطن، وكثيرا ما تكون لها تبعاتها السلبية، وكثيرا ما يتهاوى خطابها، لتصبح في يوم ما محل استغراب، أو أفكارا غير منطقية، ولا تتسق مع الحقيقة.
لا أفضَلَ من تناول الأمور بموضوعية وصدق ووعي، والنظر في مسبباتها الحقيقية ومن كل الزوايا، وبإنصاف وتجرد من العاطفة التي تقود إلى الزلل والاستعجال، وهذا يقتضي ألا نجعل أنفسنا دائما في موضع المصيب والمدافع والمفنّد، فما يمكن أن يقال ولو كان من عدو يمكن أن يكون جزء يسير منه صحيحا.
تأملت هذا الكتاب لأقرأ في داخله مظاهر خطاب الوعي (الإسلام أسس مبادئ السلام، الإنسان العالمي، العالم ومشكلة الإرهاب، الأسس المشتركة لحوار الحضارات، محاربة الفقر وتشجيع التنمية، المراكز الإسلامية في الغرب : نموذج الدعم للمنهج المعتدل، لماذا ظهرت نزعات الغلو في البلاد الإسلامية ..إلخ)، وتأملت في مقابل هذا الكتاب ما يحدث أحيانا من تمثيل الوطن ومخاطبة الآخر بصورة غير رسمية وغير موضوعية، والصورة التي تكونها عن المواطن السعودي أو المواطن المسلم مثل هذه الخطابات السجالية المتشنجة التي ترفض الآخر وتقصيه وتخطّئه وتبرر للذات ممارساتها الخاطئة هي صورة غير مقبولة ولا واقعية، فديننا هو دين الاعتدال والتوسط في القول والعمل، وهو الدين الذي ينشر مبادئ التسامح.
[email protected]