جاء في صحيفة الوطن بتاريخ 6/ 11 /2015م عرض لدراسة قدمها وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف الشيخ صالح آل الشيخ لمؤتمر «تأصيل الانتماء والمواطنة» المنعقد في القصيم، والذي اعترف فيها بأن مناهج التعليم في المملكة كانت تحتوي على ما يساعد على نفي الاهتمام بالمواطنة، والانتماء للوطن، مما أنتج مشكلة نفسية عند البعض في معنى الانتماء والمواطنة، وأوجد الأفكار التكفيرية والتفجيرية.
وقد سعدنا جميعا بمجرد الإتيان على مثل هذه الفكرة، ومن شخصية مهمة مرموقة كمعاليه؛ ولكن الحس الوطني والفكري يدفعني لمزيد من التعمق في هذه الفكرة، التي سبق وطالب بها عدد كبير من مثقفي المملكة من قبل، ولم يكن لكلامهم أثر.
وبعد المرور على ملخص الدراسة المنشور، وجدت بعض النقاط الجوهرية، التي كنت أتمنى أن تحتويها الدراسة، لتصبح حجة على الجميع، بدلا من مرورها بنفس طريقة أغلب دراسات علمائنا، ممن ينظرون بعين ويغلقون الأخرى، ثم يقفزون إلى النتائج، ودون معالجة عقلانية مقنعة لمواطن الخلل.
نحن هنا أمام فكر ديني سلطوي متغلغل سيطر على العقول لعقود عدة، وتربى عليه الطلبة ممن أصبحوا معلمين، سيصعب عليهم تخطيه الآن في سن متقدمة، وإعفاء طلبتهم من تشددهم.
لا أريد أن أتشاءم، ولكن مجرد المرور على القضية ببساطة ودون تعمق، يجعل ما يحدث مجرد طفرة جديدة للفكر، لا تلبث أن تتم معارضتها وانتقادها ونفيها.
فكر الصحوة المتشدد، وما تبعه من نظرة كارهة لكل مختلف عنا، ومن نفي لأهمية الوطن، لم يكن مجرد عارض، فهو يعتمد على آيات قرآنية عدة، وعلى أحاديث نبوية، بالإضافة إلى شروح التفاسير وكتب السيرة النبوية، لذلك فكم كان من الأولى أن تناقش الدراسة تلك المعطيات بوضوح وتعمق، وبعقلانية منطقية، ومقارعة للحجة بالحجة، حتى يصبح للدراسة نهج علمي يأخذنا للحق، ولا يسمح للدعاة الحفظة اللفظيين بالالتفاف على الدراسة، ومعارضتها وتهميشها.
نفي الوطنية عند أهل الصحوة كان يعتمد على الآتي:

1.قوله تعالى:﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾.
2.قوله تعالى:﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾.
3.وقوله تعالى:﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾.
4.حديث البخاري عن جابر بن عبدالله قال: كنا في غزوة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «دعوها فإنها منتنة»، وفي صحيح مسلم «ما بال دعوى الجاهلية»، وفي رواية أخرى «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم».
5.قوله عليه الصلاة والسلام: (لينتهين أقوام عن الفخر بآبائهم أو ليجعلنهم الله أهون عليه من الجعل).
6.قوله عليه السلام: (لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود، الناس كلهم سواسية كأسنان المشط، كلكم لآدم وآدم من تراب).
7.قوله عليه السلام: (من تعزى عليكم بعزاء الجاهلية فأَعِضوه بِهنَّ أبيه ولا تكنوا).
كل ذلك بالإضافة إلى أحاديث الولاء والبراء، وما جاء في طرد الكفار من جزيرة العرب يجعل الوطنية بيننا مستحيلة.
عليه، أتمنى من معاليه أن يستمر في هذا النهج البحثي المهم، وأن يكون مستعدا لما سيواجهه من أسئلة تحتاج لأجوبة شرعية علمية منطقية دقيقة.