استراتيجية التنمية بعيدة المدى التي اعتمدت المملكة عام 2025 إطارا زمنيا لها، تهدف للوصول لاقتصاد متنوع، يقوده القطاع الخاص، ومجتمع قائم على المعرفة، يتطلب الوصول لها التركيز بشكل كبير على الابتكار والإبداع، والابتعاد عن استيراد الأفكار المسبقة، وتوظيف التقنية إيجابيا لخلق قيمة مضافة للاقتصاد، وتعزيز نشاط ريادة الأعمال، وإعادة هيكلة وتطوير التعليم العام والعالي والمهني ليصبح أكثر قدرة على تنمية التفكير الإبداعي، والاهتمام بالموارد البشرية وبنائها على أسس حديثة، وإجراء إصلاحات هيكلية وجذرية في أساليب الإدارة للانتقال من النمط التقليدي القائم على الهياكل الهرمية إلى الشبكات الأفقية التي أثبت عمليا قدرتها على التفاعل السريع.
ولكي تؤتي التغييرات في السياسات الاقتصادية أكلها، فإنها تحتاج إلى الإعداد الجيد لها، والتنسيق بين كافة الجهات الحكومية المعنية بذلك، والتكامل فيما بينها، لأن هذه التغييرات مرتبطة ببعضها، فالتغيير في سياسة معينة سيقود حتما للتغيير في السياسات الأخرى كي تتفاعل معه، على سبيل المثال، التغيير في السياسة التعليمية سيشكل النواة الأولى التي سيبدأ منها التغيير، لأن التعليم عندما يبدأ في تخريج جيل قادر على التفكير الإبداعي، لا يؤمن بالأفكار التقليدية والأنماط التقليدية في العمل، ويبحث عن التميز، سيقود إلى التغيير في كافة الجهات، وسيجبر باقي الجهات على الاستجابة والتفاعل معه وتبني هذه الأفكار، وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة.
بالطبع الوصول لهذه المرحلة يحتاج إلى عشرات السنين، لا سيما أن التعليم لا يزال بعيدا يعاني من الأساليب التقليدية القائمة على التلقين والتلقين فقط، لكن ليس هناك مستحيل ما دام أن هناك استراتيجية قائمة ووعيا حكوميا حول أهمية هذه المرحلة، خصوصا أن الحديث عنها بدأ يأخد منحنى أكثر جدية مع القرارات الأخيرة الخاصة بتوليد الوظائف ومكافحة البطالة وهىيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة وفتحت تجارة التجزئة أمام الشركات الأجنبية، وتفويض وزارة التجارة والصناعة بالتباحث مع الجانب البريطاني في شأن مشروع برنامج تعاون في مجال توطين الصناعات البريطانية في المملكة وتدريب وتأهيل الكوادر الوطنية بين وزارة التجارة والصناعة في المملكة العربية السعودية وهيئة التجارة والاستثمار البريطانية في المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية.
هذه القرارات جزء من خطة كبرى لتجاوز تحديات قطاعات معنية، يفترض أن تتبعها سلسلة أخرى من القرارات بغية الوصول إلى التغلب على التحديات الكبرى التي تواجه الاقتصاد الكلي، وتنويع القاعدة الاقتصادية وموارد الدخل.
هذه القرارات في حال تم تفعيلها وتطبيقها ستشكل النواة الأولى لمراحل تغييرات كبرى في الخارطة الاقتصادية السعودية والوصول إلى استراتيجية التنمية المنشودة، لأن التحديات الكبرى نتيجة حتمية لتحديات صغرى شكلت البذرة الأولى، ونمت وتراكمت حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم، وتغيير الخارطة الاقتصادية لا يمكن أن يتم إلا من خلال التغيير التدريجي، بدءا من وضع حلول للتغلب على التحديات الصغرى، على أمل أن تكون المحصلة النهائية منها الوصول إلى اقتصاد أكثر تنوعـا ينطوي على محتوى معرفي أعلى، وأقل اعتمادا على الموارد الطبيعيـة، لا يشكل النفط إلا جزءا يسيرا من إيراداته.
هناك نحو عشرة أعوام كاملة تفصل بيننا وبين المدة الزمنية المقترحة لتحقيق استراتيجية التنمية بعيدة المدى، هذه الفترة قصيرة في عمر الدول، لكنها قد تكون حافلة بالكثير من الأعمال والإنجازات بما يعادل ما تحقق في عشرات السنين في حال تطبيق هذه الاستراتيجية وفقا ما أريد لها، فعمر الدول يقاس بالإنجازات لا بعدد السنوات.
صحيح أن تجربة خطط التنمية السابقة لم تستطع إخراج الاقتصاد من قبضة أسعار النفط المتذبذبة، وأن إنجازاتها كانت دون التوقعات في كثير من جوانبها، لكن المرحلة القادمة تجعلني أكثر تفاؤلا، لأن الحراك الاقتصادي الحالي يوحي بأن تغييرا متسارعا في الخارطة الاقتصادية يلوح في الأفق، وأن البيروقراطية الإدارية التي قتلت كثيرا من المبادرات السابقة لم تعد موجودة، وأن مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية بصورته الحالية يختصر كثيرا من الوقت والإجراءات في سبيل تحقيق استراتيجية التنمية بعيدة المدى.