في رحاب الجامعة كانت آمنة تبادل الصديقات والزميلات الابتسامات وتحية الصباح
كانت رائحة القاعة تشي بكل شيء من الروائح الباريسية والشرقية، ولكن آمنة كانت تشتم رائحة أخرى، وتشعر بأشياء أخرى، فكانت كلما نظرت إلى زوايا القاعة اعتراها الكدر وعلت محياها الرهبة، وكأنها ترى في تلك الزوايا شيئاً مخيفاً
في صبيحة يوم جميل امتزجت فيه مشاعر المحبة والدفء بمشاعر التطلع لمستقبل مشرق، ودعت آمنة عائلتها الصغيرة وهي لا تعلم أنها لن تشاهدهم مرة أخرى، كان الطريق سالكاً على غير العادة والأجواء هادئة ودافئة، لم تكن معالم الطريق تلفت نظر آمنة من قبل بحكم الاعتياد اليومي، أما في هذا اليوم فقد راقبتها بدقة وملأت عينيها بالعديد من المشاهد وكأنها تشاهدها لأول مرة، إنها نظرة الوداع
تلك النظرة الخفية التي تبثها أعماقنا في لحظة صمت وعند الاستعداد للرحيل
الكل كان يريد إنقاذ آمنة، والكل كان مشفقاً عليها، ولكن أنى لهم ذلك وقد وقف ذلك الهامس حائلاً دون إنقاذها؟ ولم يكن الصرح التعليمي بكل كوادره العلمية والطبية بقادر على إنقاذ آمنة بعد أن اعترض ذلك الهامس على دخول المنقذَين
لقد كانا هناك ينظران بكل حدة إلى آمنة وهي تجلس على مقعدها في القاعة ويتهامسان فيما بينهما، لقد كان واضحاً أنهما يخططان لفعل شيء ما، وربما أن هذا ما كانت تشعر به آمنة كلما رأتهما يتهامسان
لقد ماتت آمنة وبقيت فوبيا الاختلاط في زوايا الأماكن تنتظر ضحية أخرى
وفجأة وفيما الكل كان منصتا لسماع المحاضرة انطلق أحد المتهامسين على آمنة فاعتصر قلبها الصغير فضاقت أنفاسها وتحشرجت كلماتها وبدأ الظلام يعم المكان
دب الهلع في كل مكان في القاعة وعلا الصياح والبكاء واختلطت أصوات الاستغاثة بأصوات الرعب والنحيب، وفيما الكل كان يجري في كل اتجاه كانت الدقائق تمر على آمنة وكأنها سنوات وأعوام، فالأنفاس تخفت، والكلمات تتلاشى، والأعين تزيغ
وكم هي متلازمة حزينة تلك التي يعقد فيها الموت صفقة مجحفة مع فوبيا الاختلاط ليكون مسرح أحداثها هو قاعات العلم في صرح من صروح العلم، ولتذهب نفس بريئة ضحية لهذه الفوبيا المريضة
آمنة في قبضة الموت.. وفوبيا الاختلاط
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
