للإنسان مع نفسه وشيطانه قصة طويلة ومسيرة شاقة تحركها عوامل كثيرة بعضها بين، وبعضها خفي، وهذا هو ما يحدد مساره ويضبط سلوكه، أو يطلق سراحه ليسير كما تهوى رغباته وطلباته وما يدفعه شيطانه إليه.
أول تلك العوامل يأتي من نفسه وما جبلت عليه من تبرير أعماله وتزيينها والقبول بها والرضا عنها حتى عندما يقع في خطأ قاتل لا يمكن تبريره أو تسويغه فإنه يحاول كل الممكنات ليجد لتصرفه عذرا أو سببا يخفف فيه من ألم الخطأ الذي ارتكبه بمحض إرادته وقدرته وهو مسؤول عنه جملة وتفصيلا، وإذا أعيته الحيل وعجز عن التبرير المعقول لما فعل حمل ذلك الخطأ على الشيطان ووساوسه ونزغه، واستعاذ عندئذ من الشيطان الذي أغواه وأضله وأوقعه بما فعل، والرجوع حسن أيضا حتى إن كان فيه ظلم وبغي على قرينه الشيطان، فليست كل الأعمال التي يرتكبها بنو آدم يقدم الشيطان على فعلها أو يقبل أن تنسب إليه، ولو أتيح للشيطان أن يمثل أمام القضاء العادل حتى يسمع دفاعه عن نفسه لتبرأ من كثير مما يفعله الإنسان وينسبه إلى قرينه الشيطان، فعمله في كل حالاته لا يتجاوز الإغراء والإغواء ووسوسة النفس والإيحاء إلى قرينه بعمل الشر أو الوقوع فيه، أما أخوه الإنسان فهو الذي يتجاوز ذلك كله إلى الفعل فيقتل الآمنين والغافلين الذين لا يقاتلونه ولا يعرفونه ولا يعلمون عنه وعما يريد من قتلهم وسفك دمائهم في الحل والحرم وفي بيوتهم وأسواقهم، وحتى الإنسان القاتل قد لا يعرف لماذا يقتل من قتل ولماذا يفعل ما فعل، الشيطان لا يقدم على قتل الناس على الهوية وعلى البغي والعدوان ولا ينهب أموالهم بغير حق ويحتجنها لنفسه ويفسد في الأرض أكثر مما يصلح وهو يعلم أن حقه فيها مثل حق غيره ممن لا يستطيع منعه مما أخذ ورده فيما ظلم، ولكن أخوه الإنسان يفعل ذلك وهو راض ومطمئن الضمير وقلما يعود عن أخطائه وما تحمله نفسه عليه من الهوى ومن البغضاء، والأهم من كل ذلك أن الشياطين لا يقتل بعضهم بعضا ولا يعتدي بعضهم على بعض فهم يحترمون الجنس الذي ينتمون إليه جميعا، عدو الشياطين جنس آخر غير جنسهم، أما هم فيما بينهم فآمن بعضهم شر بعض.
أما إخوانهم الإنس فشرهم بينهم عظيم وعدوانهم دائم على بني جنسهم رغم كل ما يحرمه دينهم وقيمهم وما يجدونه في كتاب ربهم وسنة نبيهم، الشيطان يزين لأخيه الإنسان أعماله ويغريه بها ويدفعه إليها ولكن الشيطان يستطيع الرجوع في الوقت المناسب ويعلن توبته وبراءته وخوفه من الله إذا رأى الخطر (وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب) 48 الأنفال.
أما إخوان الشياطين في العالم العربي فلم يروا ما رأى الشيطان ولم يبرؤوا كما برئ ولم يعلنوا خوفهم من الله ورجوعهم إليه كما فعل شيطانهم من قبل فالفتن بينهم عظيمة والشر مستطير والحرب دائمة، وأعظم من كل ذلك أنهم يسمون عملهم جهادا في سبيل الله، والله بريء من أعمالهم وجهادهم وما توسوس به أنفسهم الأمارة بالسوء.
الشيطان والإنسان
مرزوق تنباك3 دقائق للقراءة

حجم الخط
