في كل مرة أجلس معه، ذي الثمانين عاما، بعد أن تدرب على جهازه الذكي الذي كان ينتقد مستخدميه، ينشغل به.
حركة أصابعه في تحريك شاشة الجهاز يبدو أنها لن تتغير، افتقد المرونة التي من الممكن أن يتمتع بها جيل الأجهزة الذكية بامتياز، وصارت يده كلها تتحرك ويخرج إصبعه السبابة خارج إطار الجهاز، وينتظر، ريثما يصل أسفل الشاشة ويعيد الكرة.
الرجل بثمانين عاما يعتقد أن كل ما يصله عبر برامج التواصل الاجتماعي حقيقي وصادق ويعتمد عليه.
يعطيني الجهاز وهو يحمله كرضيع لكي لا يتضرر من اللمس ويفقد بريق الحكاية أو الخبر أو الحادثة ويضطر للبحث عنها من جديد.
ـ خذ ! شفت ذا ؟آخذ الجهاز وأتابع وأقرأ وأعلق.
مع الوقت اضطررت إلى أن أخبره بأن ما يصله، ريثما يعود إلى البيت ويفتح الشبكة على «الواي فاي» قد وصلني صباحا قبل أن أصل العمل، حاولت أن أحافظ على «الندرة» التي يمدها لي بشكل شبه يومي، لكنني اضطررت، مع الوقت، وانشغالي أحيانا بأي شيء، إلى أن أتحاشى هذا التكرار.
لم يقتنع حتى بعد مرور 3 سنوات تقريبا من استخدامه للجهاز الذكي الذي لم يتغير بحجمه الكبير وحجم خطوطه الأكبر من الاحتمال، ولم تتغير قناعته بأن ما يتم تداوله عبر برامج التواصل الاجتماعي في الأجهزة الذكية، وهو لا يستخدم سوى برنامج واحد، هو الحقيقة والصدق والثابت الواضح إلى درجة استعاذته بالله مما سيحدث قريبا في كل مرة.
أخبرني في أربعة أيام ما يقارب عشرة أخبار وتحليلات ومشاهد فيديو كلها اعتبرها حقيقة مطلقة، اتفاق فينا الذي انتهى دون أي اتفاق على رحيل الأسد وتسليم سوريا إلى سلطة انتقالية، قرأت التحليل وطلب مني قراءته عليه «سيعلن سلطة انتقالية ويرحل الأسد الذي طلبت منه روسيا الرحيل».
مشهد لرجل مقيد بلباس برتقالي تدهسه دبابة قال إن اسمه فلان بن فلان وابن عمه يجلس معهم بالمكتب يشربون الشاي عصر كل يوم ويتداولون أخبار مواقع التواصل.
حورية البحر التي انتشرت قبل مائة عام ولا تزال على أنها كائن بحري في إحدى المناطق البرية قذفها البحر.
فيديو إعصار «تشابالا» وهو يضرب عمان بالرغم من أن أحوال الطقس في عمان قبل خمسة أيام كانت أهدأ من النسيم.
صورة الكلب الذي يلتقط جنينا من مكب نفايات، بالرغم من أنه لا نفايات ولا جنين والصورة التقطت من فيلم، وهو يتحسب الله ويرد على تعليقي «أنت كل شيء عندك غير صحيح «! صدور قرارات وتعيينات وأخبار داعش عن الطائرة الروسية...إلخ.
رجل الثمانين عاما ليس وحده في هذه الدائرة، زملاء عمل يتداولون أخبارا رياضية وفيديوهات قبلية وأصوات رصاص، أفراد من العائلة بين العشرين والخمسين كذلك، أصدقاء وبشر يركضون في مواقع التواصل، ينشرون وينقلون الأخبار والوثائق المزورة والصور.
لم تعد برامج ومواقع الشبكات الاجتماعية تتمتع سوى بالفوضى واللهاث وراء كل شيء، الكل يبحث عن أولوية ولو بثوان لكي يحتل موقعا، الكل ينقل ليصدق ويدافع عن أي خبر ينقله وكأنه هو المصدر الوحيد وعليه أن يدافع عن مصداقيته أمام الحشود.
كل شيء صار يحتاج إلى غربلة، والذي سيحدث أننا سنجد أنفسنا في هذا الزحام مثلما وجدنا أنفسنا في الواقع، الفوضى جزء من تفاصيلنا التي نشتمها وندافع عن أنفسنا فيها دون أي حلول قابلة للتطبيق!• العنوان «مسرحية» لجابرييل جارسيا ماركيز.