الخلاف حول تشخيص الأمراض النفسية يعود أساسا للاعتقاد السائد لدى عامة الناس ونسبة غالبة من علماء الدين الإسلامي، إلى أن المريض النفسي متلبس بالجن، أي يسكنه جن أو شيطان، أو على الأقل تحت تأثير السحر أو العين أو الحسد.
وقد ساعدت وسائل الأعلام بكل وسائلها بدون أن تدري في دعم هذا الاعتقاد بإفساحها المجال لمن يؤمنون بهذا الاعتقاد لإبداء آرائهم بقوة مدعمين هذه الآراء بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فيما هناك عدد ليس بالقليل من علماء المسلمين لا يؤيدون هذا الاعتقاد وهو دخول الجن بدن المريض إلا أنهم يحجمون عن إبداء آرائهم خوفا من نعتهم بالكفر أو الزندقة.
قبل أيام بدأ من جديد تدوير فيديو «قديم» في «تويتر» للراقي الشرعي سابقا علي مشرف العمري، وهو ينكر تكلم الجن بلسان المرء عندما يتلبسه، حيث يقول بلهجته العامية «تكلم الجن على ألسنة الناس غير صحيح، وأقسم بالله لم يأت إلا طبقة واحدة من الناس، طبقة «السذج والمغفلين» لم يأتني عالم يقول إن فيه جنيا، أو طبيب يقول فيني جني، أو علماني على ما يقولون ما يذكر الله، طيب مدام ما يذكر الله ليش ما جاني وقال فيني جني، ولا حتى كافر جاني وقال فيني جني»، ويتعجب العمري بقوله «سبحان الله يعني الجن ما تجي إلا للمغفلين!» ولإثبات صحة كلامه يضرب مثالا بامرأة أصابها الوهم بالقول «جاءتني امرأة تدعي أن فيها مسا من الجن، فقلت كيف عرفت؟ قالت اقرأ علي يا شيخ وسوف تسمعه يتحدث إليك، فقرأت عليها شعرا وإذا بها تصيح، قلت لها هذا بيت من الشعر وليس قرآنا! فردت علي متفاجئة «هاه..هاه» حسبي الله ونعم الوكيل أنا لي عشرين سنة والقراء يقولون إنني ممسوسة، فقلت لها لا «تصحي» الآن سوف أقرأ عليك بيتا آخر من الشعر، فقرأت عليها آية الكرسي بصوت منخفض لا تسمعه، وهي صامتة لا تصدر أي صوت، وعندما انتهيت اقتنعت المرأة أنها كانت واهمة وشفيت والحمدلله».
في هذا المقال أنا لست بصدد أن أثبت صحة ما ذهب إليه العمري من قناعاته بعد أن مارس الرقية الشرعية لمدة عشرين عاما، فقد كانت ساحات مسجده في المدينة المنورة يأتيها آلاف الناس يوميا، يقرأ عليهم ويبيع الزيت والماء لهم، حتى أصبح من أشهر القراء الشرعيين في العالم الإسلامي، بل كان يستقطبه كبار الأمراء والشيوخ في الخليج إلى بلاطهم بمبالغ باهظة.
وحتى خصومه يرجعون اعتزاله وعدوله عن الرقية الشرعية بسبب أن الله نزع منه بركة الرقية الشرعية على ما كان يتقاضاه من مبالغ باهظة من جيوب البسطاء والإثراء معا على حسب زعمهم.
لكن ما أردت قوله إن مجتمعنا يبالغ كثيرا في مسألة إرجاع كثير من الأمراض النفسية إلى «المس» وأصبحت ساحات الرقاة الشرعيين تكتظ بآلاف الناس يوميا، حتى إنه بلغ في بعضنا الوهم إذا لم يأته النوم لأيام عدة يذهب إلى راق شرعي ويقول له «أنا الظاهر عندي عين يا شيخ أبغاك تقرأ علي!» أو حتى تساقط الشعر الذي يأتي بسبب عامل وراثي أو نقص في الفيتامينات نرجعه إلى العين قبل أن نشخصه طبيا!.
أعتقد أن أغلبية الأطباء النفسيين لا يمانعون إطلاقا عندما تسمح حالة المريض من أن يقرأ عليه قرآنا أو أدعية لأن من المؤكد أن هذه الوسائل التي هي جزء من مكونات المريض العقائدية تساعد على دعم وتسريع العلاج الطبي من ناحية الإيمان بقضاء الله وتقبل إرادته مع توقع استجابته لصلواتهم وأدعيتهم لرفع البلاء عنهم.
ولكن من المهم أن لا يتدخل الراقي الشرعي في العلاج الطبي أو محاولة تنفير المريض أو أهله من متابعة العلاج «النفسي» لأن عددا كبيرا منهم لا يؤمنون بأي دور للطب في العلاج.