كتب الزميل الدكتور علي موسى بتاريخ 1 نوفمبر 2015م، في صحيفة الوطن موضوعا استفزني كأحد كتاب مدينة الرياض، بتساؤله: هل يوجد كاتب حقيقي بالرياض؟.
وقد حكى كيف أنه هو والزميل الشيحي استطاعا أن يكتبا عن قصص المدن الكبرى بشكل يومي وبصورة مميزة (متصدر لا تكلمني)، رغم سكناهما في قريتين بعيدتين عن الرياض وحكاياتها الغنية، التي لامنا فيها على عدم النزول من الدور الخامس، حسب وصفه، إلى الشارع للبحث عنها.
وتعجبت من رؤية الدكتور القروي لكتاب المدينة الصاخبة، وربما سيتعجب هو من رؤيتنا نحن لأنفسنا ولأهل القرى المتصدرين.
الأمر يا صديقي أن الكم لا يعني دوما الجودة، كما أن الكيف لا يختص فقط بالمكان والزمان، فالفكر النير الرشيق يستطيع التنقل عبر الأزمنة والأمكنة والمعارف، ويبحث فيما بعد المدى عن جديد، فلا يلوك المكرر من القصص المحفوظة عن ظهر قلب، والتي زادت المواطن والمسؤول تبلدا.
التزام الكتابة اليومية قد يجبر الكاتب على ترديد ما قد لا يقرأ، أو ما لا فائدة فيه، وربما يجبره على البحث عن ضحية أو فضيحة، أو مسؤول لاستجداء كلمة منه، والنتيجة ربما تكون متماهية مع مقالات كتاب آخرين، ولكن الكتابة المتقطعة المنتخبة ربما تعطي أكلها بسمو أعلى من الأدوار العالية، وأنقى مما يحدث في بهو فندق، ربما يجعلك متصدرا للفضائح.
يا دكتور، لاحظ أن أغلب كتابات من وصفتهم بأنهم يسكنون القرى، ماثلة في الرياض بكامل دقائقها، ومسؤوليها، وشوارع الزحام فيها، وبالهم العام، وبالإنسان اللاهث طوال يومه للبحث عن مساحة «فيّه»، وصخرة يتوسدها لقيلولة.
نحن في الرياض نعيش معمعة الحياة القلقة، وقد كتبنا في عيوبها وحسناتها كثيرا، وحاولنا تكسير حواجز الخرسانة، ولكنها كسرت رؤوسنا، وبلبلت ألسنتنا، فليس مجرد الكتابة هو ما يصنع التغيير.
ثم إن أهل القرى يجدون الوقت الكافي، ليس لكتابة مقال كل ساعة، كما قلت، ولكن لكتابة رواية فلسفية، على شاكلة (حادي بادي).
التحدي الحق هو أن تعيش لاهثا في شوارع الرياض، وأن تتمكن من كتابة شيء عميق ومميز وإنساني.
تقول: لو أنني من سكان «الرياض» لضاعفت انتشاري وحجم مكاني إلى عشرات الأضعاف، فالرياض هي «الهيئة الوطنية لتوليد الأفكار».
وأنا أقول لك إن مضاعفة الحجم شأن الديكة (حاشاك)، وإن الانتشار يحتاج لفضيحة أكثر من فكرة، فخذ الهيئة الوطنية لتوليد الأفكار بكل ما فيها، وأعطني ساعة نقاء في قريتك، وثق بأن المملكة - ولن أقول العالم - أصبحت قرية صغيرة، محشورة بقلب هاتفك الذكي، والذي عنه جميعا صرنا نروي، ونتابع أحداث العالم، ونستشف حتى ما يحدث في قعر منازل من كانوا مستورين حولنا من قبل، ولم نعد نحتاج للتوقف عند كل شارع وبيت وحانوت ومكتب لنستجدي مادة نكتب فيها.
الكاتب حالة من المصداقية والفكر دون بحث عن متاعب كما كان الحال عليه؛ ولك أن تتخيل كيف يكون تأثير غزواتنا نحن لكم يا أهل القرى، وكيف يضيع يومنا عندكم بين تراحيب ومناسبات وبر وسمن وعسل، نخرج بعدها بدون أي مقال، عكس ما حدث لك في غزوتك الأخيرة للرياض، حيث سكنت الدور الخامس، وخرجت بمقال، يرفع الضغط!.