هل مر عليك ادعاء كهذا: إن لم تستيقظ مبكرا لن تلحق بالباص، وإن لم تلحق بالباص غبت عن المدرسة، وإن غبت عن المدرسة لن تنجح، وإن لم تنجح لن تتخرج ولن تحصل على عمل وبالتالي لن تنجح بحياتك كلها.
إذن يجب أن تستيقظ مبكرا.
إلى أي مدى تبدو الأسباب المذكورة بالأعلى واقعية وتدعم الادعاء «بوجوب الاستيقاظ مبكرا»؟لنختبر عبارة أخرى:أخبرني أخي أن الإحصاء مادة صعبة.
ومادة الإحصاء التي أدرسها الآن صعبة.
إذن كل مواد الإحصاء صعبة.
هل تجربة الشخصين الأول والثاني مقنعتان لقبول الادعاء القائل بأن «كل مواد الإحصاء صعبة»؟تنتشر حولنا ادعاءات تتضمن خللا فادحا في الخط السببي الذي بنيت عليه، وبالرغم من ذلك تبدو لنا مقنعة جدا بالوهلة الأولى.
هذه المشكلة تدعى بـ«فولسي» (fallacy) وتأخذ صيغ كثيرة (تم رصد أكثر من 200 صيغة).
ولكي تتضح الصورة، دعونا نحلل الادعاءين بالمثالين السابقين لنرى كيف تسلل الخلل السببي إلى أذهاننا وجعل الادعاءات تبدو مقنعة.
بالنسبة لمثالنا الأول: فهو يحتوي على الفولسي الشهيرة المسماة بالمنحدر الزلق (Slippery slope).
وقائلها يدعي أنك إذا وقعت في المشكلة الأولى (عدم الاستيقاظ مبكرا) فلن تستطيع إيقاف المشكلات التي ستتبعها حتى تأخذك للنهاية التي حددها (تفشل بحياتك كلها)، وهي بالعادة نهاية متضخمة.
فهو يؤكد على أنه وبمجرد أن تخطو تلك الخطوة الصغيرة، فلن تستطيع أن تتراجع إلى أن تقع في الكارثة.
وهذا في الواقع غير صحيح ويتضمن خطأ فادحا في الخط السببي، فقد تستطيع أن تنجح حتى ولو لم تستيقظ مبكرا في ذلك اليوم الذي حاججك فيه.
زد على ذلك، لم يقدم أي أدلة تدعم الأسباب التي ذكرها لتقوية ادعائه (أدلة في صورة، أرقام إحصائية لحالات شبيهة تكررت كثيرا).
أما المثال الثاني، فيعرض صيغة الفولسي المعروفة باسم التعميم المستعجل (Hasty generalization).
وصاحب هذا الادعاء يحاول أن يعمم نتيجة لتجربة خاضها شخصان فقط وفي ظروف خاصة بهما على الكل.
فهو يؤكد على أن جميع مواد الإحصاء بمختلف مستوياتها (المبتدئة إلى المتقدمة) صعبة، وأن ذلك يعكس رأي جميع الطلاب (بمختلف قدراتهم ومعارفهم وبكل الجامعات وعند كل المحاضرين).
من الخطأ الاعتماد على تجربة شخص أو شخصين للخروج بنتيجة تعمم على الجميع وفي كل الأحوال والظروف.
والتعبير الأصح يكون على النحو التالي: بعض مواد الإحصاء صعبة على بعض الطلبة.
تلك الأخطاء المندسة والجوهرية متداولة بيننا ومنتشرة في كل مكان وعبر وسائل الإعلام، سواء بقصد أو بغير قصد.
لكن لماذا تبدو صادقة؟ أحد أهم الأسباب هو التعاطي السطحي الذي ننتهجه حينما نقوم بتحديد مواقفنا منها (القبول، الحياد، أو الرفض)، فعندما لا نقوم بالتحقق منها، فقد نقع في فخ من أفخاخ الفولسي.
وكثيرا ما يتسبب ذلك التعاطي السطحي مع الادعاءات في تعزيز الخلاف والجدل بين المجموعات وتعميق سوء الفهم، فتضيع وتتشتت الجهود والفرص للوصول إلى أرضيات مشتركة للتنمية والشراكة المجتمعية.