خلال أسبوع تقريبا كشف ديوان المراقبة العامة هدرا في المال العام بلغ واحدا وأربعين مليارا وتسعمائة مليون، صرفت دون وجه حق أو دون سند نظامي أو أهملت الجهات المعنية في تحصيلها وتوريدها لصندوق الدولة.
وخبر آخر يتحدث عن أن الجهات الرقابية بدأت التحقيق مع تسع جهات حكومية صرفت مائتي مليون من المال العام دون وجه حق!اللافت في الخبرين هو تكرار كلمة (دون وجه حق)، فالمال العام لم يُسرق ولله الحمد، ولم تحترق الخزانة، ولم يأخذها المسؤول ليضعها تحت بلاط بيته كي يدرأ شبهة الربا عندما يضعها في بنك ربوي، تخيلوا (وجه الحق) عندما يأتي (دون) هذه الأموال، فهذه تدخل ضمن (التحايل اللغوي لتبرير الجريمة)، فمثلا بدلا من أن تقول إن (محمد قتل سعيد) تلجأ لتلطيف العبارة، فتستبدل فعل قتل بفعل غادر، وتقول إن (سعيد) غادر للحياة الأُخرى الحقيقية، طيب ومحمد القاتل؟ أبدا هو فقط قام بعمل دون وجه حق ودون سند نظامي وربما بدافع الإهمال!الخبر الآخر يقول: تنظر المحكمة الإدارية في جدة دعوى قضائية لاسترجاع 500 حديقة مسلوبة من لصوص أراض.
الغريب في هذا الخبر أنه سمّى الأشياء بأسمائها، فوردت كلمات صريحة كـ(لصوص، ومسلوبة)، رغم أن الحديث هنا عن (حدائق)، فالمفترض أن تكون المفردات نديّة وشاعرية، ككلمة (دون وجه حق مثلا) أو (دون مستند نظامي) بدلا من كلمة (سلب)، ولا سيّما أن القضية ما زالت منظورة لدى المحكمة، فالمقابلة اللذيذة الساحرة /‏ الساخرة تقول: استيلاء مسؤول على أموال = صرف دون وجه حق، استيلاء مواطن على حديقة = سلب ولصوصية!وهذا يعود بنا من جديد للتأكيد على أهمية النظرية التي ابتكرناها في بداية هذا المقال: (التحايل اللغوي لتبرير الجريمة)، وأنا كمواطن أطالب بمساواتي ولو لغويا بالآخرين، فعندما أرتكب حماقة ما فلتقولوا: لم ينجح بدلا من فشل!

****

الخبر الأخير: (أصدر ديوان المظالم بالرياض حكما بإلزام أمانة منطقة الرياض بتعويض مواطن أكثر من 3 ملايين و500 ألف ريال، بعد أن تضررت أملاكه وتراجعت قيمتها السوقية، وذلك بسبب مخالفة الأمانة للنظام عبر منح أرض مخصصة لحديقة عامة قريبة من أملاكه لأحد التجار، وإعطاء ترخيص ببناء قاعة أفراح عليها رغم أنها مخصصة لحديقة عامة).
لترتيب الجملة (بصياعة - بالعين - أدق): منح أرض مخصصة كحديقة، لأحد كبار التجّار، لغرض بناء قاعة أفراح!(هاه يا عيال) يوجد مستند نظامي، ويوجد مبرر منطقي، فالحديقة أصلا غرضها الترويح لساكني الحيّ، لكن وجود قصر (أفراح) يفوق أهمية وجود حديقة، فالغرض كما قلنا هو الترفيه والفرح، ولأن أجواءنا متقلبة بين الغبار والحر والرطوبة فإنني مقتنع تماما بأن تحويل الحديقة لقصر أفراح هو فعل منطقي جدا، وسلموا لي على (وجه الحق) ووجه (ابن فهره) أيضا!