X

ديجافو إدارية

الجمعة - 08 يونيو 2018

Fri - 08 Jun 2018

«كأن هذا الموقف مر علي»، من المؤكد أن هذه العبارة ترددت في أذهان كثير منا. هذه الحالة النفسية يطلق عليها «الديجافو»، وأول من قام بتسميتها هو العالم «إيميل بويرك» في كتابه «مستقبل علم النفس»، وهي كلمة فرنسية تعني «شوهد من قبل» أو «لقد شاهدت هذا من قبل».

لن أدخل في جدل فلسفي أو فكري أو حتى نفسي لشرح هذه الظاهرة، ولكن لا أستطيع نفي أنها حدثت لي عدة مرات، وقد تكون حدثت لك أيضا عزيزي القارئ.







مواقف العمل الإداري في التعامل مع الموظف ومتطلباته عادة ما تكون شبه متكررة مهما اختلف الزمان أو المكان. سنذكر هنا موقفين واقعيين «شوهدا من قبل» وتبيان كيفية التعامل الأمثل معهما بحسب وجهة نظري، حتى يصبحا «ديجافو» لمن سيشاهدهما للمرة الأولى، ومن ثم الخروج من هذين الموقفين بأفضل المكاسب الإدارية.

الديجافو الأول: كان لدي موظف جديد حديث التخرج من الجامعة، كان متفوقا في دراسته، ولكن كان في طور تكوين مهارات الذكاء الاجتماعي. أكمل مشروعه بامتياز، طلبت منه القيام بعرض توضيحي للمشروع على الإدارة في سبيل شرح وتسويق المنتج في سبيل التشجيع والتقدير لمنجزه. الموظف رفض بشدة، ولم يقتنع بالفكرة وعارضها كلية، بل وأصر على أنها مضيعة للوقت والجهد. لمعالجة الموقف دخلت معه في حديث مطول محاولا إقناعه أن هذا الأمر من متطلبات العمل وإحدى الخطوات الضرورية لأي مشروع ذي قيمة عالية، وسيطلب منه كثيرا في المستقبل. أثناء النقاش ومحاولة الإقناع بدأنا بالحديث عن مستقبله الوظيفي، مع ذلك لم يقتنع حتى بادر بالقول إنه في يوم من الأيام سيقدم استقالته وسيقوم بإنشاء شركته الخاصة لأنه لا يجد نفسه يعمل تحت مظلة النظام المؤسسي الحالي. هنا عرضت عليه المساعدة لتحقيق حلمه وناقشنا متطلبات الشركة المستقبلية ونوعية نشاطها التقني. ثم بادرت بالاقتراح عليه المساعدة لتحقيق حلمه وكيف أنه سيحتاج لمهارة العرض والتسويق لمنتجاته. قلت له: اعتبر العرض الذي ستقوم به دورة تدريبة مجانية لهذه المهارة وسنساندك كي تستفيد من هذه التجربة وكأنك ستسوق لأحد منتجات شركتك الخاصة. في النهاية اقتنع وقام بالعرض وكان ناجحا جدا. للمعلومية عدل عن فكرة الاستقالة وأصبح ناجحا في عمله الحالي.

الديجافو الثاني: الموقف كان مع موظف أجنبي ذي خبرة كبيرة، رفض تعلم تقنية جديدة بسبب عدم اقتناعه بها، ولما قد تشكله من خطر عليه عند مقارنته بزملائه الأقل خبرة والمتمكنين من هذه التقنية، وكذلك حرصه الكبير على الحفاظ على مكتسباته القديمة. كانت أهم نقطة في نقاشه تدور حول عدم الحاجة للقيام بأي شيء جديد لعدم جدواه بالنسبة لمتطلبات وظيفته الحالية. هنا بدأ الحديث عن فرص مواكبة التقنية، وعن وظيفته المستقبلية في حال تقاعده مبكرا أو العودة لموطنه لأي سبب كان. عرضت عليه أن نعمل سويا على تحسين سيرته الذاتية، وذلك عن طريق إكمال دورات والحصول على شهادات مهنية تقنية جديدة تساعده على الاندماج مع متطلبات العمل الحالية، وتحسين السيرة الذاتية الشخصية له على المدى الطويل. نجح الأمر في النهاية للطرفين.

الخلاصة من هذين الموقفين اللذين نحاول أن نحولهما إلى «ديجافو» بالنسبة للإداري الجديد أن ملامسة حاجات الموظف في النقاشات والاستماع له بحرص يفتحان أبوابا مغلقة. توظيف فكرة المنتج الثانوي في التسويق عادة ما يكون له مفعول السحر عند النقاش مع الموظفين. اعرض عليهم المنتج الثانوي في حال قيامهم بالمنتج الأساسي، لأنك بذلك تستطيع استخراج الكثير منهم، وذلك بتحقيق التوازن بين حاجة الموظف وحاجة المنظومة.

ختاما، نكتفي من ظاهرة الديجافو الإدارية بهذين الموقفين فقط، تحقيقا للمقولة «قليل من العلم مع العمل به أنفع من كثير من العلم مع قلة العمل به». هي محاولة بسيطة لحفظ الجهود، ولكيلا نضطر لأن نبدأ من الصفر في كل مرة نتعامل فيها مع مواقف إدارية مشابهة. المحصلة أننا نحاول أن نكمل بعضنا البعض، فالحكمة ضالة المؤمن.

m.alnefai@gmail.com