للكتب والمؤلفين حظوظ، فمؤلف ذاع كتابه في الآفاق، ورغب فيه القراء، عامتهم وخاصتهم، وآخر أعرضوا عنه، دون أن نعرف لذلك سببا، ولو أننا استثرنا الكتاب وبحثنا في أثنائه لأدركنا قدره وقيمته، ولأسفنا لحظّه بين الناس، وربما طار صيت كتاب، وهو مع ذلك غير مستحق ما أصابه من الشهرة والذيوع، وحين نيأس من البحث عن علة وسبب، نرمي الأمر برمّته على الحظ والبخت، أو البركة التي نُزِعتْ منه!
ولطالما قرأنا في كتب التراجم والسير أن كتابا ما رُزِقَ القبول، فانتشر في غير صقع، وأن كتابا آخر أعرض الناس عنه، فمات، وكان حقه أن يعيش، وقد كان من حق الناس أن يظهروا عليه وينتفعوا به، بل إن كتبا تستهوي الناس فيقبلون عليها، وتكثر نسخها، وتطلب في كل النواحي، ثم إذا بها، بعد حين يطول أو يقصر، تكسد، وكأن أحدا لم يحفل بها من قبل. ولست في سبيل سوق الشواهد والأمثلة، ويكفيني أن أعرض لكتاب له قدره عند النحاة وطلبة النحو، فحين وضع الزجَّاجي كتابه «الجُمَل» اشتغل به العلماء والمدرسون، وأقبل عليه طلاب العربية، وأوسعه الشرّاح شرحا وتعليقا، حتى إذا أخرج ابن جنِّي كتابه اللطيف «اللُّمَع»، وأبوعلي الفارسي كتابه «الإيضاح»، مال إليهما القوم، وأشاحوا بوجوههم عن كتاب الزجاجي، ولطالما لهجوا به وبصاحبه، وربما كان وصف القفطي خير بيان عن حال ذلك الكتاب ومآله، حين يقول «وهو كتاب المصريين وأهل المغرب وأهل الحجاز واليمن والشام، إلى أن اشتغل الناس باللمع لابن جني، والإيضاح لأبي علي الفارسي».
ونقرأ عند القلقشندي كلاما يجلِّي لنا شيئا من حظوظ الكتب وأقدارها عند الناس، وذلك إذ يقول «واعلم أن الكتب المصنَّفة أكثر من أن تحصى، وأجلّ من أن تحصر؛ لا سيما الكتب المصنفة في الملَّة الإسلامية، فإنها لم يُصَنَّف مثلها في ملَّة من الملل، ولا قام بنظيرها أمة من الأمم؛ إلا أن منها كتبا مشهورة قد توفرت الدواعي على نقلها والإكثار من نسخها وطارت سمعتها في الآفاق ورُغِبَ في اقتنائها». وأذكر أنه حين مرَّ بي، أول عهدي بألفية ابن مالك، قوله، مادحا منظومته المشهورة:
وتقتضي رضًا بغير سخطِ
فائقةً ألفيَّة ابن معطِ
استجلب نظري ابن معطي هذا الذي فاقت ألفية ابن مالك ألفيته، وعرفت أنه نحوي جليل، نظم قبل ابن مالك ألفية في النحو، لكن العلماء وطلبة النحو ومعاهد العلم، كل أولئك أعرضوا عن ألفيته، وأقبلوا، ولا يزالون، على ألفية ابن مالك، ونُسِيَ ابن معطي، ونُسِيَتْ ألفيته، حتى إذا ذكره قوم فإنما يذكرونه إذا سعى بعضهم إلى تأريخ النحو، أو مرَّ طالب منهم ببيت ابن مالك ذلك!
ولن أقف كثيرا عند التراث، فالشواهد ثمة لا يحدّها حصر، ولكنني سرعان ما أنتقل إلى عصرنا الحاضر، وسأسوق ما تبقى من الفصل إلى مؤلف أحسبه مظلوما؛ هو مظلوم لأنه صنَّف كتابا أقل ما يوصف به أنه جمهرة تاريخية واسعة، وهو مظلوم لأنه لم يرد لكتابه أن يكون من غمار الكتب، فسَمْتُ جمهرته وروحها إنما يتخذان من فلسفة التاريخ وتعليله منهاجا، فالمؤرخ أمين مدني، وهو الذي أصفه بالمظلوم، نهد منذ عهد بعيد إلى أن يضع في تاريخ العرب كتابا واسعا، تخيَّر له عنوانا عريضا هو «العرب في أحقاب التاريخ»، عرفت خزائن الكتب منه ثلاثة أجزاء؛ أولها «التاريخ العربي وبدايته»، صدرت طبعته الأولى سنة 1385هـ، وثانيها «التاريخ العربي ومصادره»، صدرت طبعته الأولى سنة 1391هـ، وثالثها «التاريخ العربي وجغرافيته»، صدرت طبعته الأولى سنة 1396هـ، ولم يمهل القدر مؤلف هذه الجمهرة فيصدر الجزء الرابع وعنوانه «التاريخ العربي وشعوبه»، والجزء الخامس وعنوانه «التاريخ العربي ودوله»، ليكتمل عقد تلك الجمهرة التي جعلت من تاريخ العرب القديم موضوعا لها.
وعندي أن المؤرخ أمين مدني مؤلف مظلوم؛ ظلمته الثقافة، وربما ظلمه الباحثون والقراء، وربما ظلمه حظه، فعلى كثرة ما قرأت للمعاصرين كتبا وفصولا في تاريخ العرب القديم، وتاريخ الجزيرة العربية خاصة، لم أظفر بإشارة إلى أي كتاب من جمهرته الكبيرة تلك، وكان من المظنون أن يعرفه المشتغلون بالتاريخ القديم، بَلْهَ المشتغلين بفلسفة التاريخ والحضارة، فكتابه ذلك الكبير الواسع يوقفنا على ذلك التاريخ في أحلك نواحيه، وربما سَمَتْ نفس صاحبه إلى أن يكون فيلسوف تاريخ، فوق ما هو مؤرخ، وعسى أن يقال: إن هذا الكتاب ذا العنوان الجليل لم يعرفه العرب في أقطارهم المختلفة، لأن صاحبه من أبناء الجزيرة العربية، وهذا الكلام يصدق لو أن الكتاب نشر في مكة المكرمة أو المدينة المنورة أو جدة أو الرياض، ولكن الكتاب عرف طريقه إلى النشر في القاهرة، وفي دار المعارف، تلك الدار العريقة، ثم في الهيئة العامة للكتاب، وأعجب من ذلك أن هذا الكتاب، وهو جمهرة واسعة، سكت عنه العلماء والدارسون والقراء في بلد المؤلف، وفي جزيرة العرب نفسها، وكان حظه تعسًا، فلم يرزق الذيوع، ولم يُكتب له الانتشار، بل سكت الدارسون والقراء عنه، ولفَّه الصمت، فكأنه لم يصدر، مع أنه نشر بعد نشرته المصرية مرتين، ثم إن الكتاب، على استحقاقه الدرس والبحث والتأمل، لم أقرأ أو أسمع أن طالبًا في هذه الجامعة أو تلك، من الجامعات التي تنتشر في بلادنا، اتخذه موضوعا لرسالة عالية يظفر بها بدرجة علمية رفيعة.
لكل ذلك أقول: إن أمر هذا الكتاب الجليل محيِّر، ولكل ذلك أحسبه كتابا غير محظوظ، وأحسب مؤلفه، وقد اجتمعت له كل أسباب النجح والبروز، مؤلفا مظلوما.

[email protected]