في بادرة بيضاء من ملك الحزم جاءت غيثا لأرواح مثقفي ومثقفات المملكة ومؤسساتها الثقافية، حين يطلب رأس الدولة اجتماعه بهم، واقتطاع جزء من وقته الثمين جدا لذلك اللقاء التاريخي بين القيادة والمثقفين، وتأتي كلمة خادم الحرمين الشريفين بلسَمًا شافيا للأرواح حين تؤسّس مضامينها الشمولية لإرساء دعائم مشروع ثقافي متكامل تدعمه الدولة، ويحركه المثقفون إلى آفاق يتوخّاها الملك الحكيم، وتأتي أهمية هذه البادرة في المرحلة التي يتحدث فيها الكثيرون عن تهميش المثقف، وغياب المشروع الثقافي، وعن تقديم طيف ثقافي على آخر، وتأتي أيضا في مرحلة تاريخية بالغة الدقة والحساسية، ورغم علمنا جميعا باهتمام الملك بالثقافة من زمن بعيد إلا أن هذا اللقاء جاء تأكيدا لعمق إيمان الملك بدور الثقافة في صياغة المجتمعات، فأنار الإعلاميون والمثقفون والفنانون من الجنسين بضياء الملك الحكيم في مجلسه.
حين نتناول كلمة الملك في بابها الأول، فلن نفاجأ بالتركيز على التاريخ، الذي يستشعره الملك بمسؤولية عظيمة، وتجاوزه بالوطن عن جغرافيته المادية إلى جغرافيته المعنوية في الفكر العربي والإسلامي، فهذه البلاد منذ تأسيسها تضع نصب عينيها قضيتين رئيسيتين (الإسلام العروبة)، فأرض العرب التي بعُث فيها نبي عربي، وأُوحي إليه بلسان عربي مبين، يجب أن تكون ممثلة للإسلام وللعرب في أبهى صورهما وغاياتهما السامية، وأن تظل منارا إسلاميا عربيا مَهما اشتدت حولها الظلمات وتراكبت، وها هي اليوم تقوم بدورها المأمول في مرحلة مفصلية من مراحل التاريخ، وفي التاريخ أيضا تبوح كلمة الملك الحكيم بما كانت عليه هذه الأرض، وما هي عليه اليوم ولله الحمد، وفي هذا استلهام للفارق بين المرحلتين، وهذه الرسالة يجب أن يصوغها المثقفون بمختلف وسائلهم التعبيرية، وقنواتهم الإبداعية، وأن تصل إلى كافة شرائح المجتمع حتى تؤتي أُكلها، ونجني ثمارها.
ثم يأتي مضمون الوحدة الوطنية جليّا في الخطاب الملكي، ويعطيه الملك ـ حفظه الله ـ بُعدا أعمق مما يتناول في الإعلام غالبا، فإن كان الإعلاميون والمثقفون شديدي الحرص على الوحدة الوطنية بين مكوّنات الوطن الاجتماعية والفكرية، فقد أضاف الملك الوحدة بين (الدولة والشعب)، باعتبار أننا (كلٌّ) لا يقبل التجزئة مطلقا، وجاءت في خطابه على هيئة الاستنتاج الذي لا يقبل الشك، وفي هذا تأكيد ضمني من جلالته يزيل الغبش عن زجاج الرؤية إلى موضوع وحدتنا الوطنية، ويلجِم كل الأصوات الشاذة عن القاعدة.
أما الوقفة التي يشدد عليها الملك في كل خطاباته فهي قضية النقد، وأهميته، وعلاقته المتينة بالوحدة الوطنية، فقد شدّد قبل أشهر على تقبّله للنقد الهادف البنّاء، وها هو اليوم في خطابه للمثقفين يؤكد على ذات الأمر حين قال: «رحم الله من أهدى إليّ عيوبي»، وهنا تجدر الوقفة، فالملك ينقلنا بهذه العبارة إلى قضايا كثيرة يأتي في مقدمتها (الحوار)، وقبول الرأي الآخر، وكأنه يلفتنا بطريقة عمليّة إلى قضية التناحر الفكري التي تتعالى نبرتها بين الأطياف الفكرية، وتشنج الخطاب بين الفرقاء في الكثير من المسائل إلى درجة إقصائية تنزّه البعض عن الأخطاء، لكن الملك الحكيم يقرّ صراحة لا مواربة فيها ببشريّته، وأن الكمال لله وحده، وإذا أسسنا خطابنا (حقيقةً) على هذا المبدأ، ستكون لغتنا أرقى، وأفكارنا أسمى، وسنبلغ المرحلة التي نجني فيها ثمرات الحوار.
ثم تأتي في الخطاب الملكي عبارة «يكتبون في الإعلام، فليكتب من يكتب» تأكيدا على ثقة القيادة بسياسات المملكة، وأهمية الدور الذي تقوم به في المنطقة والعالم، فهي لا تنتظر من الآخرين جزاء ولا شكورا، لكن حكمة الملك ـ أيضا ـ تبقي الباب مفتوحا أمام المثقفين، فإن رأى المثقفون أهمية للرد على المغرضين، أو الإدلاء برأي أو مشورة فأبواب الملك ومسؤولي الدولة مفتوحة أمامهم، في تأكيد أيضا على الوحدة والتكامل بين القيادة والشعب، وفي حث المثقفين للقيام بأدوارهم المأمولة في تصحيح المسار، لكن للتصحيح أدواته وقنواته السليمة التي يجب أن يمر من خلالها.
أهنئ المثقفين والوطن بهذه البادرة التي لا تستغرب من ملك مثقف، وقائد حكيم، وأدعو الله أن يوفقنا جميعا إلى صياغة مشروع ثقافي متكامل، يرتكز في أساسه على صهر المكونات الثقافية في منطقة الفعل المؤثر، على اختلاف التخصصات الإبداعية والإعلامية والفنية والفكرية، فالوطن في أمس الحاجة اليوم إلى بناء استراتيجيات كبرى وخطط طموحة لإنجاز مشروع ثقافي طويل الأمد، بالغ التأثير في الداخل والخارج، نصحح به بعض أخطاء المراحل السابقة، ونعيد عجلة القطار إلى مسارها على هديٍ سلمانيّ حكيم، ولا عذر اليوم لكل المثقفين والمثقفات عن التفاني والسعي الحثيث الصادق إلى البناء والإنجاز؛ بعد أن وضع خادم الحرمين الشريفين حجر الأساس لهذا المشروع الطموح.
هنيئا للمثقفين!
أحمد الهلالي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
