بكثير من التقشف وقليل من القروض استطاع موظف حكومي كادح أن يوفر من راتبه بضع عشرات من الآلاف، وكانت رؤية هذا المبلغ في حسابه دفعة واحدة مشهدا مهيبا. آخر مرة اجتمع في حسابه مثل هذا المبلغ الأسطوري هي حين حصل على قرض من البنك قبل زواجه.
بدأ يشعر أنه على أعتاب الثراء الفاحش وأنه لا بد من استثمار هذا المبلغ الخرافي في مشروع يسهم في دفع عجلة التنمية.
عقد العزم على أن يكون مشروعه المنتظر هو بوفيه يبيع فيه الساندويتشات والعصائر ليكون رافدا لتغذية المواطنين واقتصاد الوطن!
واجه في البداية عقبة كونه موظفا ولا يحق له المساهمة في تعزيز الاقتصاد الوطني وإيجاد مصادر للدخل غير البترول الذي يبدو أنه في طريقه للنضوب قبل أن يتقاعد، ولكن القليل من التحايل وتسجيل مشروع البوفيه العملاق باسم زوجته سيجعلانه يجتاز العقبة الأولى، ولكنه بعد ذلك وجد أنه لا بد أن يدفع للبلدية والجوازات ومكتب العمل والغرفة التجارية، وأن عليه رسوما سنوية وزكاة وضرائب بمسميات شتى، إضافة إلى أنه لا بد أن يدفع لشركات الكهرباء والماء. وبحسبة بسيطة وجد أن رأس ماله سينتهي قبل أن «يلفّ» أول ساندويتش قد يتسمم بسببه مواطن ما ثم يغلق البوفيه وتتوقف عجلة التنمية!
عدل عن مشروعه العظيم وقرر أن يدفع المبلغ الذي جمعه أجرة للمنزل الذي يستأجره فذلك أكثر فائدة ونفعا له وللأمة.
وبالمناسبة فمالك المنزل هو أحد هوامير العقار الذي يحتكر الكثير من الأراضي «المليارية» المسجلة باسمه مع أنه موظف حكومي. ربما تيسرت أموره لأنه لا يدفع رسوما ولا زكاة ولا يوظف عاطلا ولا يستفيد منه أحد من العالمين. هو عالة على البلاد والعباد، ومجرد «مناقشة» فكرة أن يدفع رسوما ـ أسوة بصاحب البوفيه ـ لا بد أن تأخذ كثيرا من الوقت واللف والدوران قبل أن ينتهي الأمر إلى لا شيء، ربما لأن من يناقشون الموضوع ليسوا من أصحاب «البوفيهات»!

[email protected]