بعض ما طالب به الاقتصاديون ورجال المال والأعمال من إصلاحات جاء تبعا على مدار الأسبوعين الماضيين، هيئات جديدة أُحدثت لدعم مسيرة الإصلاح الاقتصادي، آخرها إنشاء هيئة جديدة تتمتع بالاستقلال المالي والإداري لرعاية ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، يمكن وصفها بالبذرة الأولى لتوفير بيئة تشريعية تسهم في دعم وتطوير قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ورفع مساهمتها في الناتج الإجمالي لتقود المستقبل الاقتصادي.
فالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة كنت وما زلت أعتبرها من سيقود قطار الاقتصاد في المستقبل. وكتبت في ذلك أكثر من مقال في هذه الصحيفة آخرها كان في مارس الماضي بعنوان «المؤسسات الصغيرة والمتوسطة رهان المستقبل»، تطرقت فيه إلى كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله حول «تشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على النمو، ودعمها لتكوين قاعدة اقتصادية متينة لشريحة كبيرة من المجتمع».
والرهان على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لم يأت من فراغ، بل كان نتيجة متابعة لدور تلك المؤسسات في الاقتصاد العالمي، فهي - ما يقود الاقتصاد في معظم دول العالم، لأن استثماراتها لا تقتصر على مجال معين، بل تشمل جميع المجالات والقطاعات الاقتصادية سواء كانت صناعية أو تجارية أو خدمية أو تقنية، ولذلك تمثل نحو 90% من إجمالي الشركات في معظم اقتصاديات العالم، وتسهم بحوالي 46 % من الناتج المحلي العالمي، وتوفر نحو 60% من إجمالي فرص العمل حول العالم، ففي بريطانيا مثلا تسهم المشاريع الصغيرة والمتوسطة بنحو 85 % من إجمالي الناتج المحلي، و80% في سنغافورة، وفي الولايات المتحدة الأمريكية تسهم بنحو 51%، وتشكل 40% من اقتصاد ألمانيا.
والمأمول من الهيئة الجديدة أن تلعب الدور القائد والموجه والداعم للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة لرفع مساهمتها في الناتج الإجمالي، لا سيما وأن مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي لم تتجاوز 33% رغم أنها تشكل حوالي 74 % من حجم المشاريع والمؤسسات القائمة في المملكة، وأن تساعدها في تجاوز التحديات التي تواجهها، هذه التحديات ليست جديدة أو طارئة، بل بلغ الحديث عنها عنان السماء فلم يخل مؤتمر أو ندوة تتعلق بالمنشآت الصغيرة والمتوسطة من التطرق لها، وتتلخص في صعوبات مالية نتيجة إحجام البنوك التجارية عن إقراضها لأسباب عدة منها ارتفاع درجة مخاطر تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وعدم قدرة هذه المنشآت على توفير الضمانات التقليدية اللازمة للحصول على التمويل، وغياب البيئة التشريعية الداعمة لها.
بالطبع، تحديات التمويل كانت أبرز هذه التحديات، ومع الإجراءات الجديدة يمكن التغلب عليها من ناحيتين:
الأولى: بالاستفادة من نقل نشاط تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة من البنك السعودي للتسليف والادخار إلى صندوق التنمية الصناعية السعودي، وأن يكون مختصا ببرامج تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة أو ضمان تمويلها، ويعني ذلك أن تمويل المؤسسات الناجحة منها، والتي لديها دراسات جدوى اقتصادية سيكون أكثر سهولة.
الثاني: أن تكون هذه الهيئة راعيا وضامنا ماليا لهذه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بحيث تساعدها في إعداد دراسات الجدوي الاقتصادية وتقييم نسبة نجاحها، وفي حال كانت دراسات الجدوى الاقتصادية إيجابية، تعمل الهيئة على توفير الضمانات اللازمة للبنوك التجارية أو الصناديق الحكومية المقرضة لتمويل هذه النوعية من المنشآت.
ويتطلب ذلك أن تعمل وتتكامل هيئة المشروعات الجيدة مع صندوق التنمية الصناعية لتسهيل عملية إقراض تلك المؤسسات من ناحية لحل مشاكل التمويل وهو ما أشرنا إليه أولا في هذا المقال، وكذلك التنسيق مع برنامج الصادرات الوطنية التابع للصندوق في منح أولوية خاصة لتصدير منتجات هذه المؤسسات بما يضمن لها الوصول للأسواق العالمية، والنمو المستقبلي، وبالتالي ارتفاع قدرة هذه المؤسسات على الوفاء بالتزاماتها المالية للصناديق والبنوك المقرضة.
كما أن الهيئة الجديدة مطالبة بتطوير قواعد لحوكمة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وإعداد دليل إرشادي يمكنها من اتباع وتطبيق أفضل الممارسات المتعلقة بالحوكمة، لما لها من دور كبير في تحسين الجوانب الإدارية بشكل عام، والجوانب المتصلة بإدارة المخاطر والإدارة المالية والاستثمار بشكل خاص، إلى جانب مساعدة هذه المؤسسات على تنظيم نفسها ماليا ومحاسبيا وإداريا.