المتأمل في واقع مجتمعنا بنظرة تحليلية عبر سنين من التتبع يلحظ مرضا عضالا سرى في أوردة وشرايين هذا المجتمع، واستمر هذا المرض ينساب في أعضائه حتى أنهكه، ولم يلتفت أحد إلى هذه المظاهر حتى أصبح واقعا نعيشه.
الجميع يسعى للعظمة بعد أن كانت حقا مشروعا لمن يستحقها ويبذل عمره أو ماله أو علمه لها، تحولت بقدرة قادر إلى ثقافة، فبدأت على استحياء، ثم توسعت الدائرة. كان يمارسها أصحابها على استحياء وخجل، وأصبح هذا الخجل يتلاشى، ثم أصبح الأمر طبيعيا، ووصلت اليوم إلى حمى مباح، فكثر اللاهثون خلف سراب المجد المزيف.
وتهاوت الألقاب والمسميات، وأصبحنا بين لفتة عين وانتباهاتها كلنا علماء، وكلنا شيوخا، وكلنا شعراء، وكلنا مدربين، وكلنا إعلاميين.. سلسلة لا تنتهي.
حينما يجابه طويلب علم جمع بعض نصوص كبار العلماء الذين أفنوا أعمارهم في العلم ثم ينصب نفسه هو الغيور على الأمة، وهو الذي لا تأخذه في الحق لومة لائم، وهو الذي يكشف للأمة عوار هؤلاء العلماء، حتى يصبح فريسة للجماعات المتطرفة، تذكروا حينها التعاظم.
هوس التعاظم امتد في مجتمعنا ليصل جميع الشرائح! الشهادات الأكاديمية المزورة، واللهث للحصول على (الدال) أنتجا الكثير من المتعاظمين، لا رغبة في التطوير ولا خدمة للمجتمع أو نفعا للوطن لكنه حب التعاظم.
الدورات التدريبية، خاصة المتعلقة بالتنمية البشرية، تحظى بنصيب الأسد من التعاظم. فكل مدرب حصل على الدورات التدريبية البسيطة بقدرة قادر أصبح (المدرب الأول)، و(كبير المدربين)، و(خبير التنمية البشرية)، و(أول من درب في الشرق الأوسط). وظهر موديل القارات فهو (خبير غرب وشرق أفريقيا)، وهو الذي درب في عدد من الولايات الأمريكية وبريطانيا. وحينما تتتبع السيرة الذاتية يصيبك الذهول على ما حصل عليه، فهو حاصل على الدكتوراه، وعضو في...إلى ما لا نهاية، وهو المستشار التدريبي، والمستشار الأسري، وهو أول من درب، وهو معتمد في... إنها صورة من التعاظم لا يعرفها إلا من وقف أمام هذا المدرب.
الكل مستشار أسري، وخبير في شؤون الأسرة، وأرقام هواتف استشارية، وظهور في بعض القنوات، وتتعجب من ضعف المتكأ العلمي، والركاكة العلمية، وأخطاء في الحلول لا تخضع لا لمعايير علمية ولا تجربة.. إنه التعاظم.
القنوات الفضائية، خاصة المتعلقة بالشعر النبطي، ساهمت كثيرا في إضعاف الشعر، فالتوالد اليومي للشعراء جعل الساحة تكتظ بالآلاف. تسمع القصيدة لتخرج بها من صور شعرية أو من معاني شعر فلا تجد إلا نظما مباشرا. والعجيب كل ما وقف شاعر اعتذر للحضور من الحالة التي وصل إليها الشعر، فالشعر هو وهو وهو، يفصل له بعض المقاييس من زاويته. وحين يقدم يقدم على أنه شاعر القرن، أو تضاف إليه كنية أو مسمى يشغل مساحة المملكة، أو جهة من جهاتها أو إقليما.. إنه التعاظم.
الإعلام، وأخص لك الإعلام الرياضي، تتعب من هذا الحضور فيه، فالتحليل الرياضي، والدفاع عن النادي المفضل والتبعية الالكترونية لبسطاء الجماهير، والحرب الوهمية التي يسلكها بعض الإعلاميين تحت غطاء حب الكيان والدفاع عنه، الإثارة والتهكم، والانتقاص والغيبة من أجل الصعود على أكتاف بعض المشاهير! إنه التهافت على تعظيم الذات والبحث عن الأنا.
نجوم سناب شات والانستقرام وغيرهما.. المتابعون فيها يصلون إلى الملايين في متابعات أقل ما يقال فيها إنها ضياع للوقت. وأعجبتني مقولة تقول «لا تجعلوا الحمقى مشاهير». لكن ألم نسأل أنفسنا سؤالا: ما هو مصير المجتمع من هذا التعاظم؟
ويبدو لي أن مصير مجتمع هذه ثقافته هو الترهل في الإنتاج، والمنافسة في سفاسف الأمور، وترك الجادة، والانطواء خلف المسكنات الوهمية للمجد، وإخراج جيل لا يبحث عن القوة العلمية أو الحضور الجاد أو الاهتمام بالبناء والقيم ليقود وطنه للعلياء، جيل يعيش (المجد المزيف).
ألم يدخل رسولنا صلى الله عليه وسلم مكة فاتحا وهو مطأطئ الرأس حتى إن لحيته الكريمة لامست جسده تواضعا لله سبحانه وتعالى في وقت زهو وانتصار وظهور؟
وهذا خالد بن الوليد عندما أمره عمر بن الخطاب الخليفة أن يترك قيادة الجيش لأبي عبيدة بن الجراح، قال: سمعا وطاعة لأمير المؤمنين، تاركا الشهرة. وهذا سفيان الثوري يقول: إياك والشهرة، فما أتيت أحدا إلا وقد نهى عن الشهرة. وقال إبراهيم بن أدهم: ما صدق اللهَ عبد أحب الشهرة. وقال أيوب السختياني: ما صدق عبد قط، فأحب الشهرة. وقال بشر بن الحارث: ما اتقى الله من أحب الشهرة. أما من يتصدر للناس بالخير، ويبث فيهم القيم والأخلاق والتعليم وأتته الشهرة فذلك أمر آخر. وقال ثابت البناني: قال لي محمد بن سيرين: لم يكن يمنعني من مجالستكم إلا خوف الشهرة. وقال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل: أريد أن أكون في شعب بمكة حتى لا أعرف، قد بليت بالشهرة.
فكلما زاد الإخلاص لله قل حب الظهور والتصدر، وكل من أراد الإبداع والسمو في كل ما ذكرت عليه أن يحترم التخصص، ويخضع للتقويم الجاد حتى يعرف قيمته وقيمة ما يقدم. والله يتولاني ويتولاكم.
التعاظم
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
