تحتكم المجتمعات إلى منظومة من القيم والعادات والتقاليد، وهي مستمدة من مصادر متعددة منها الدين، والثقافة، والاحتكاك بالمجتمعات الأخرى، وتجارب الحياة بما فيها من حراك اجتماعي، وأحداث سياسية، وكوارث طبيعية، وهذه المنظومة تُنتج توحدا لدى المنتسبين لذلك المجتمع في الرؤية الاجتماعية، والتوجه الفكري، والموقف من الأحداث، والأشخاص، والأفكار، والمجتمعات الأخرى، وهو ما يطلق عليه علماء الاجتماع (العقل الجمعي)، أي كأن المجتمع كائن اعتباري له عقل موحد يوجه كل أفراده، ويحتكمون إليه في كل تصرفاتهم، وغالبا ما يخضع لذلك العقل الجمعي أفراد المجتمع من غير وعي منهم؛ إذ إن الانتماء للجماعة والخضوع لمنطقها العقلي يعطيان الفرد المنتمي الطمأنينة بصواب ما هو عليه من أفكار، وقيم، ومبادئ، وعادات، وتقاليد؛ لأنها هي ما توافق عليه أبناء مجتمعه، وتوارثوه كابرا عن كابر، وهذا (التوافق)، و(التوارث) دليلان على صحة ما عليه المجتمع وصوابه؛ لأن من أهم المعايير التقليدية لاختبار صحة أي أمر معياري (الكثرة)، و(القِدَم)، إذ لو لم يكن صحيحا لما اتفق عليه الكثيرون، ولَمَا ظلَّ كما هو تتوارثه الأجيال منذ القدم من غير تبديل وتغيير، فالقناعة هنا مستمدة من قناعة المجتمع به، فالعقل الجمعي في هذه الحالة هو الدافع لهذه القناعة من غير أن يعي الفرد بذلك، وقد يخضع الفرد لهذا العقل الجمعي عن وعي وإدراك إما لقناعته الفردية بصوابية أحكام ذلك العقل الجمعي، وإما خوفا من النبذ الاجتماعي؛ لأن المجتمعات التقليدية لا تتسامح مع أي فرد من أفرادها يخالف ما اعتادت عليه من قيم أو عادات أو تقاليد؛ لأنه بهذه المخالفة يحكم على الجماعة بالخطأ ومجانبة الصواب، ومن هنا فمن السهولة معرفة توجهات الرأي العام تجاه الأحداث والأفكار في المجتمعات التقليدية من خلال معرفة القواعد الكلية التي تحكم العقل الجمعي لتلك المجتمعات، ولئلا يكون حديثنا في حيز التنظير نضرب أمثلة تطبيقية على ذلك من واقع مجتمعنا، فمن القواعد الكلية التي يحتكم إليها العقل الجمعي في مجتمعنا (أن الأصل في الدين التحريم والمنع)؛ ولهذا فكل ما يستجد في حياتنا فهو في نظر العقل الجمعي ممنوع دينيا إلا إذا وردت الفتوى بتحليله، ولهذا نجد كثرة الاستفتاءات عن أمور تبدو مضحكة لمن هو غير خاضع لمنطق عقلنا الجمعي، كالسؤال عن رأي الدين في الجوال بكاميرا، وإهداء المريض زهورا وورودا، والتطعيم ضد الأمراض، والأناشيد التي تسمى إسلامية، ولعب الكرة بجميع أنواعها، واستعارة الكتب، وشراء الكتب بالتقسيط، واستعمال المرأة للانترنت من دون محرم، ووضع المرأة ربطة للشعر في مقدمة الرأس، وتسريح شعر المرأة من منتصف الرأس وجعل بعضه على الجبهة، ولبس المرأة للصدريات التي تحمل الأثداء، ووضع المرأة للعباءة على الكتفين، ولعبة الفرِّيرا التي يلعب بها الأطفال والشباب، وعقد شعر رؤوس الطالبات بخرق تشكل الزهرة، والتهنئة بالعام الجديد، وغيرها العشرات من الاستفتاءات التي تكشف عن فهم الدين على أنه تحريم ومنع في عقلنا الجمعي، ويمكن الاطلاع على أمثلة أخرى في كتاب (الغثاء الأحوى في غرائب وطرائف الفتوى) للأستاذ أحمد العرفج، وكثير من الفتاوى يصاغ السؤال المقدم للمفتي بأسلوب من يستحلب التحريم من المفتي، ومثال ذلك الاستفتاء عن عباءة الكتف جاء السؤال بهذه الصيغة: «ما حكم لبس المرأة للعباءة على الكتف علما أنها تصف حكم الكتفين وتلتصق بجسم المرأة مما يبين عن صدرها؟»، فالسؤال صيغ بأسلوب طلب ختم التحريم لنشره في المجتمع، وربما يستغرب القارئ إذا علم أن جوابات الاستفتاءات السابقة كلها كانت بـ(التحريم)، بعضها سقط تحريمه مع تقادم الزمن، وبعض منها ما زال في حيز التحريم، فالفقيه لدينا هو نفسه محكوم بالعقل الجمعي للمجتمع الذي يؤصل للتحريم والمنع، ولهذا إذا لم يجد المفتي دليلا على التحريم يلجأ لما يشبه التحريم والمنع فيجيب السائل بقوله «لا ينبغي، ولا يحسن بالمسلم فعل هذا»، ففي سؤال وُجِّه لأحد المفتين لدينا عن حكم قص شعر المرأة؟ وبما أنه لا دليل على حرمة ذلك، فقد أجاب بالتشنيع الاجتماعي من هذا الفعل حيث قال «لا ينبغي فعل ذلك، وما زالت العرب تمدح المرأة بطول شعرها، فإنه من المعلوم أن الشعر زينة للمرأة، فهو يضفي عليها أنوثة وجمالا»، فالمفتي هنا تحول إلى خبير في الموضة، كل ذلك للمحافظة على (المنع) الذي اعتاد عليه، وبناء على القاعدة الكلية التي يحتكم إليها العقل الجمعي لدينا في أن الدين يعني المنع والتحريم أصبح عقلنا الجمعي يتوجس من كل فقيه ينحو منحى التيسير، ويراه رقيق الدين وقليل الورع، ويصف المفتي المتشدد في آرائه الفقهية بالورع والتقى والصلابة بالدين، وأصبحت التعليمات الدينية لدينا أقرب إلى قائمة طويلة من المحرمات، ولهذا يكاد يستحيل أن نجد فتوى بتحليل أمر موضوعة على لوحة الإعلانات في مسجد أو مدرسة أو مستشفى، إذ الأمر يقتصر على وضع ملصقات التحريمات، ولتدرك عظم التأثير للعقل الجمعي على توجهات الناس وأفكارهم ورؤاهم وفهمهم للدين قارن تعقيد هذا العقل الجمعي بتأصيل التحريم في كل شيء بتقعيد علماء الأصول بأن الأصل في غير العبادات الحِلُّ، وذلك كالعادات والتقاليد والتصرفات والمعاملات والمخترعات وكل مناحي الحياة.
في عقلنا الجمعي.. الدين يعني التحريم
سليمان الضحيان4 دقائق للقراءة

حجم الخط
