التحدي الأكبر ـ وربما الوحيد ـ الذي سيواجه (هيئة توليد الوظائف) هو: أن ثقافة العمل أصيبت في مقتل، منذ الخمسينات الميلادية؛ حين صرح أحد المسؤولين قائلاً: «سأجعل ابن التاجر يغلق دكانه ليحصل على وظيفةٍ في وزارتي»!! وكان ذلك التصريح ردة فعلٍ على ثقافة الكسب الحر السائدة آنذاك، التي تجعل الشاب يستهين بالرواتب الزهيدة للوظائف الرسمية؛ حيث يستطيع (الولد الكسِّيب) أن يحصِّل في يومٍ واحد، ما يتقاضاه الموظف (الميري)، في أشهرٍ!! وإلى ما بعد انفجار الطفرة الأولى (1975) بقليل، كنّا في المدينة المنورة، ومكة المكرمة، نصطف لبيع (أي شيء) للحجاج جنباً إلى جنب: ابن أشهر تاجر أحذية في المملكة، وابن القهوجي عنده! وابن صاحب أكبر بلدان (بساتين) النخيل والعنب والليمون والنعناع، وابن إمام (زاوية) درويش، وابن بدوي يسرِّح أحلامه و(يَجَرُّ) على الربابة: يالله بالجنة وخَمْسطْعَشر ألف * وستٍّ من المِعْزا وسبعٍ من الضَّان!!وينتهي موسم الحج، وتبدأ مواسم الحصاد المختلفة، ويبيع شباب ذلك الجيل كل شيء حتى (نوى التمر) ـ ليعيد الفلاحون زراعته من جديد ـ وروث الحيوانات؛ ليستخدموه سماداً طبيعياً، حتى لمن أراد زراعة صلعته البهية!!وفي أوقات الفراغ يدخل (عيال الحارة) في معارك دامية مع عيال الحارات الغاشمة الأخرى، ولا يعدمون من يبيع للفريقين أسلحة الدمار الشامل ـ كالولايات المتحدة (الدبُّوسية) ـ من عصيٍّ، وعجراوات، وحجارة غير كريمة، ومفكات، وسكاكين، وقوارير كُسرت قواعدها! فإذا وضعت الحرب أوزارها، وبدأت الأوزار حربها، وجدوا من يبيع لهم العصابات (الأربطة) الطبية، التي خاطتها الفتيات من الشاش والقطن، بمقاسات تناسب كل رأس، وبحجم كل فلقةٍ! ولم نكن نعرف لماذا يوصف أولئك (البياعون) بالجبن؟ حتى عرفنا القاعدة الشهيرة: (رأس المال جبان)!وفي مباريات كرة القدم السلمية، كانت الجماهير الغفيرة تتهافت ليس لدعم فريقها فقط؛ بل ولـ(تكحيل العيون) برؤية أجمل الصبايا، الباسطات بالفصفص، واللُّبان، و(عسكريم) التوت، و...(الزين والله في بنات المدينة * لا جَنْ من شارع (قُبا) نازلاتِ..إيييي)!! كان الجميع يتسابقون للعمل لأن المقياس الاجتماعي آنذاك هو الكسب و(المرجلة)، وليس أن تولد وفي فمك ملعقةٌ من ذهب! وأن يمتلئ جيبك من عرق جبينك، لا أن تملأ (تويتر) بتغريدات الشكوى والتذمر!!