يدرك اليمنيون عموما والجنوبيون على وجه الخصوص أن ما كان وبالا في الماضي لا يمكن أن يصبح باب خير في المستقبل، وأن من غدر باليمن وأهل اليمن ومقدرات اليمن وثروات اليمن وعاث بهم فسادا وعذابا وأوغل بهم في متاهات التخلف والجهل والضياع والاحتراب من بائعي الوهم وعراة الفكر وفاقدي الضمير لن يحققوا لليمن غدا أفضل من أمس واليوم، ولن يحققوا بالتأكيد أحلام وطموحات اليمنيين وحقهم في العيش الكريم والحياة الكريمة، وتطلعات أجيال شابة ترغب في الحياة، وتطمح لتحقيق ذاتها وآمالها. أجيال تنظر لحياة مختلفة، ولها أحلام مختلفة وطموحات مختلفة. أجيال لها رؤى مختلفة، ولديها مفاهيم مختلفة. هذا المستقبل المختلف يحتاج بالضرورة لفكر مختلف واستراتيجيات مختلفة وقيادات مختلفة.
ابتلي اليمن بعلي عبدالله صالح منذ وصوله إلى السلطة في يوليو 1978، مرورا بتركه لها مرغما في فبراير 2012، وليس انتهاء باليوم، حيث قضى على كل ما لم يطله ويسرقه رئيس، فقضى عليه وتآمر مع الشيطان ضده من خارج كرسي الحكم. وقف ضد الوحدة مع الجنوب في 1978 ، وفي 1994 أعاد فرض الوحدة التي تمت في 1990، إذ لم يكتف بما نهبه ودمره في الشمال فسولت له نفسه نهب وتدمير الجنوب. كان منبره الرئاسة، وقاعدته حزب المؤتمر الشعبي العام الفاقد ومنذ تكوينه لأي إيديولوجيا أو برنامج سياسي واضح سوى مفاهيم ثورته البائسة، وسانده الحزب الاشتراكي اليمني الجنوبي حينها بقياداته التي ذهب معظمها في مجزرة يناير 1986 التي حصدت كبار رؤوس المكتب السياسي للحزب الحاكم في عدن آنذاك، ودعمه وبقوة حزب التجمع اليمني للإصلاح بخطه وتوجهه الإخواني المحبِط.
ونهب كل شيء.. عوائد نفط، ميزانيات مشاريع، دعم ومساعدات دولية، برامج تنموية، وحتى مخصصات الشركات العاملة في اليمن، كالشركة الألمانية المكلفة بترسيم الحدود مع عمان والتي سرق منها 850 مليون دولار، وتأجيره ميناء عدن بمبلغ مليار دولار لإحدى الشركات الأجنبية، وضعه في أرصدته المكتنزة والمتخمة أساسا.
اكتوى اليمنيون بما فعله علي صالح بهم لأكثر من ثلاثة عقود. ضاعت أحلامهم، وتبخرت آمالهم، وتاهت خطاهم. أكثر من ثلاثة عقود نشأ خلالها أكثر من جيل ترعرع في نفوسهم اليأس، وتجذر في أعماقهم الشعور بالضياع، وعاشوا واقعا مترعا حد الثمالة بالبطالة والفقر والجهل والخراب وشتى أنواع العدم.
لقد آن الأوان لتغيير البوصلة. حانت الفرصة لتعديل المسار، وتهيأت الظروف لبداية جديدة، ليمن جديد، لواقع جديد، لمستقبل من نوع آخر، وأجيال من نوع آخر. حان الوقت لبناء يمن فاخر، مترف أهله، يمن متطور متقدم حضاريا يليق بتاريخه وبأبنائه، بفكر جديد، وسياسات جديدة، ومفاهيم جديدة، وقيادات جديدة، فما قد حصل يكفي وزيادة.. فقد تاه اليمن وتعب اليمنيون.
بعد أن تاه اليمن وتعب اليمنيون
ناصر محمد الجهني2 دقائق للقراءة

حجم الخط
