بدأت تقص علي أنها حين تزوجت وانتقلت مع زوجها المبتعث للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية، قامت الجامعة وقتها بالاتفاق مع الملحقية السعودية بعمل برنامج ثقافي اجتماعي لزوجات المبتعثين لمساعدتهن على التأقلم والاندماج وتعلم اللغة الإنجليزية من خلال ترتيب لقاءات دورية لهن للاجتماع بمجموعة من الأمريكيات الراغبات في التبادل الثقافي وتعلم اللغة العربية.
تم تقسيمهن إلى أزواج، وكان حظها مع امرأة أمريكية متدينة، كانت على غرار كل الأخريات، ترتدي ملابس محتشمة.
والأهم قلادة الصليب الكبيرة المعلقة على صدرها، والإنجيل الذي تحمله معها.
كان من الطبيعي أن يبدأ أول حوار بينهما عن الدين.
ابتسمت وهي تقول (بالطبع ملأتني الحماسة والثقة بأن الله أرسلني إلى أمريكا لأنقذ هذه المرأة المسكينة من مصيرها المحتوم كمسيحية).
واستطردت تقص بأن صديقتها الأمريكية بدأت تشير إلى ما أسمته أمورا جدلية تطرح في الإعلام عن الإسلام، مثل قتل المرتد، معاداة أصحاب الديانات الأخرى، حقوق الإنسان، والمرأة وأشياء أخرى كثيرة.
لتصعق من نفسها وهي تجد أنها لا تملك إجابات شافية بالرغم من خلفيتها الدراسية لكل تلك المناهج الدينية.
والأدهى أنها لا تملك مهارة النقاش والربط ما بين النصوص الشرعية وقياسها على أمور الحياة اليومية.
وهنا شعرت بالتحدي نحو رسالتها السامية لهداية العالم، فبدأت في البحث في مواقع الانترنت والكتب وسؤال المشايخ المعروفين في المنتديات لتستطيع العودة للأمريكية بإجابات وافية ترفع رأسها وتذود بها عن دينها.
الصاعقة كانت أنها لم تجد في المحتوى المنشور ما يجيب على تساؤلاتها بسهولة، وأن الموضوع يحتاج إلى بحث علمي عميق وإلمام بالأمور الشرعية لاستيعابه والرد عليه، وهو ما لا تملكه ولم تتحضر له يوما..يا للمصيبة، ماذا تفعل الآن؟ أتستسلم؟ أبدا! بل ستوجه ضربة مرتدة بأن تثبت للأمريكية بأن دينها خاطئ وتظهر لها عيوب مبادئ شريعتها والتحريف الذي أصابها.
في لقائهما التالي اندفعت بقوة في الحوار، واضعة كل جهدها ومنطقها وإمكانياتها الفكرية لتثبت شيئا واحدا، أن دينك أيتها المسيحية هو دين مزيف وخاطئ، لتفاجأ بأن الأمريكية لم تقاطعها، بل استمعت إليها بكل اهتمام، ولتفاجأ أكثر حين قالت لها (أتعلمين كلامك منطقي)، وسكتت تفكر قليلا ثم قالت: (أعتقد أن كل الأديان السماوية هي عبارة عن خدعة فلسفية لا أكثر)، قالت ذلك ولملمت حاجياتها وغادرت تاركة إياها محتارة وعقلها يتساءل: (أتراها انتصرت لدينها وأنقذت المرأة أم لا؟).
ركبت السيارة مع زوجها وملامح الحيرة على وجهها، وحين سألها وأجابته بما حصل انفجر ضاحكا بصوت عال وهو يضرب كفا بكف ويقول (لا حول ولا قوة إلا بالله، الحرمة كانت مستترة، تقية، وموحدة وأنت حولتيها إلى ملحدة).
وانطلقت السيارة وضحكات زوجها المجلجلة تختلط باستغفاراتها الخائفة لنفسها ولضحيتها الأمريكية.